شارلي ايبدو ودوامة الصمت

باديس لونيس

Badis.lounis@gmail.com

تفترض العالمة الألمانية إليزابيث نوّال نيومان بأن وسائل الاعلام حين تتبنى آراء أو اتجاهات معينة، وخلال فترة محددة من الزمن، فإن القسم الأكبر من الجمهور سوف يتحرك في نفس الاتجاه، وبالتالي يتشكل الرأي بما يتناسق وينسجم في معظم الاحيان مع الافكار التي تدعمها وسائل الاعلام، لاسيما التلفزيون، وذلك بحثا عن التوافق الاجتماعي. أما الأفراد المعارضين لهذه القضية أو تلك الشخصية فإنهم يتخذون موقف (الصمت) تجنبا لاضطهاد الجماعة الكبيرة المؤيدة، أو خوفا من العزلة الاجتماعية، وبالتالي فانهم اذا كانوا يؤمنون بآراء مخالفة لما تعرضه وسائل الاعلام، فإنهم يحجبون آرائهم الشخصية، ويكونون أقل رغبة في التحدث عن هذه الآراء مع الآخرين، اما الذين لديهم آراء منسجمة مع ما تبثه وسائل الاعلام فانهم يكونون أكثر نشاطا وجرأة في الاعلان عن هذه الآراء والتحدث بشأنها للحصول على القبول الاجتماعي.

إن هذا الكلام الذي يشكل الافتراض الأساس الذي تقوم عليه نظرية دوامة الصمت، يبدو منسجما ومتجليا هذ الأيام في المشهد الإعلامي العالمي والفرنسي بشكل يكاد يكون متطابقا رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة من صدوره. أتحدث هنا عن السياق الفرنسي الداخلي؛ الذي يتوجه بقيادة وسائل الإعلام المختلفة إلى خلق دوامة صمت رهيبة اتجاه الآراء المخالفة والمنتقدة للرسومات المسيئة ولانتشار الاسلاموفوبيا في الغرب عموما وفي فرنسا بشكل خاص، وعزل أصحابها اجتماعيا ودفعهم الى الانزواء والتزام الصمت حتى لا يتعرضوا للنبذ. فالبلد الذي طالما تغنى بحرية الرأي والتعبير كشف عن ازدواجية في الفهم والممارسة، فسب الرسول صلى الله عليه وسلم هو نوع من الحرية، اما انتقاد هذا السب ورفضه فهو إشادة بالإرهاب وعنصرية.
وخير مثال على ذلك ما تعرض له الفكاهي الفرنسي ديودوني الذي حجزته السلطات الفرنسية بتهمة الإشادة بالإرهاب، بعد نشره تعليقا على الفايسبوك يقول فيه: "أشعر أنني شارلي كوليبالي". الممثل نفسه كانت قد أغلقت في وجهه المسارح الفرنسية في وقت سابق بسبب تهمة معاداة السامية وإهانة اليهود والسخرية من "المحرقة النازية". المثال الثاني الذي يفضح ممارسات شارلي ايبدو التي تتشدق بالحرية هو الكاريكاتوري موريس سيني (80 عاماً) الشهير بـ "ساين"، أحد أبرز رسامي الكاريكاتير بمجلة شارلي ايبدو، والذي قام برسم ابن ساركوزي قبل اربع سنوات وهو يرتدي الزي اليهودي معلقا: أنه أقدم على الزواج من ابنة واحد من أغنى أغنياء يهود فرنسا، لأنه يعرف أن اليهودية مرتبطة بالنجاح الاقتصادي والاجتماعي، فثارت المنظمات اليهودية ضده، وتم اتهامه بالتحريض على الكراهية ومعاداة السامية، وطالبت الصحيفة نفسها من الرسام بالاعتذار، وفصلته في الاخير عندما رفض الانصياع للطلب.
"معاداة السامية" هذه التهمة الجاهزة لإلصاقها بكل من تسول له نفسه بالهمز واللمز ضد اليهود، ومن ثمة تعريضه إلى عقاب نفسي واجتماعي وقانوني قاس عن طريق تسليط صوت الإعلام عليه، هنا لا مجال للحديث عن حرية التعبير، فشعب الله المختار فوق القانون والحرية، والهولوكوست مسلمة غير قابلة للتكذيب والسخرية والمساس بقدسيتها،،، يا له من نفاق !
إن افتراض دوامة الصمت يتجلى أيضا في المسيرة التي دعت اليها باريس واستجاب لها زعماء ورؤساء من مختلف بقاع الدنيا، في حشد لم تجمعه الالاف من القتلى المسلمين في العراق وسوريا واليمن والجزائر، في حشد يختزل رسالة غير قابلة لأكثر من تأويل وهي إخراج جديد لرسالة بوش فيما مضى "من ليس معي فهو ضدي"، فمن لم يسارع في تسجيل حضوره فهو مهدد بالسقوط في دوامة الصمت والعزلة الدولية.
أخيرا فإننا كمسلمين لم نتوانى في خلق دوامات صمت جزئية، عن طريق الانخراط الحماسي الانفعالي في الدعوات المنددة للإساءة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر الواقع الحقيقي، وهي وإن كانت في جانب منها توحي بمكانة نبينا في قلوبنا، ولكنها في حقيقة الامر ليست إلا ضجيجا غابت في ثناياه الآراء الجادة  وانزوت الدعوات الهادئة لتفعيل سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وتمثّل القيم الصحيحة للإسلام وتمثيله بالوجه الذي يليق به.
فهذا الانخراط لم يزد شارلي ايبدو الا كسبا للمال، فها هي توزع أكثر من خمسة ملايين نسخة بعد ان كانت لا تتعدى ستين الفا وهي التي كانت مهددة بالإفلاس. الأمر الذي لم يكن ليحدث لو أننا التزمنا برؤية عمر بن الخطاب التي تختزل في جانب منها مبدأ نظرية دوامة الصمت حين قال: "اميتوا الباطل بالسكوت عنه".

المقال نُشر بجريدة الأوراس نيوز يوم الاحد 18 جانفي 2015م.