أسقاس امقاس

باديس لونيس

كنت قد طرحت في الأيام الماضية على حسابي في الفايسبوك، سؤالا اجتهدت من خلاله في أن يكون موجزا خاليا من اي اطناب أو لف ودوران واعتقدت عند صياغته أنه كان بسيطا، واضحا وغير قابل للتأويل والتظليل، كان كما يلي: لماذا عاصمة للثقافة العربية، وليست عاصمة للثقافة الأمازيغية؟ لم يكن السؤال استنكاريا بقدر ما كان طلبا للتفكير في الموانع التي قد تحول دون تنظيم تظاهرة للعاصمة الامازيغية التي قد تكون سيرتا أو باتنة أو غيرها من المدن الامازيغية على امتداد شمال افريقيا.
هذا السؤال أثار ردود افعال غير متوقعة، وأظهر تشنجات وملاسنات أقل ما يقال عنها أنها كانت مُحزنة، رغم أنها في حقيقة الأمر كانت تلخص وتختزل وضع الهوية في الجزائر، ذلك الجرح العصي على التجاوز؛ لغياب الارادة الكافية لمواجهة السؤال البديهي وخلق حوار جاد بين النخب الممثلة لمكونات المجتمع المختلفة. كانت تلك الاتهامات المتبادلة "مُعلبة" جاهزة للإطلاق دون روية، أو محاولة للاستوضاح والتوضيح، كانت مشحونة بالإلغاء، وكانت مُحزنة.
لست الآن بصدد الحديث عن فكرة تنظيم عاصمة للثقافة الامازيغية خاصة في ظل دعوات حكومتنا للتقشف، ولكني لم أستطع التوقف عن التفكير في ردات الفعل تلك التي جعلتني محتارا؛ كيف يتحول سؤال بسيط بديهي إلى فهم معقد مُنمّط مُثقل بالتأويل والاتهامات الجاهزة؟
لماذا تُقرأ كل دعوة للاهتمام بالثقافة الامازيغية على أنها دعوة للتفريق والفتنة؟ ولماذا يُستحضر الدين عنوة في سياق بعيد كل البعد عنه؟ ولماذا تُلقى تهمة العداوة للغة العربية كلما أُثير نقاش حول كيفية الحفاظ على اللغة الامازيغية؟ هل يعني بالضرورة تمسكي بلغتي عداوة للغات الاخرى؟
لاشك أن للتاريخ  دور مهم في ما وصلنا اليه من التوجس من بعض الاسئلة رغم بساطتها، وفي التباس الافهام، رغم وضوح معانيها. ولذلك أعتقد أنه قد حان الوقت للتصالح مع التاريخ ومع حقيقة انتمائنا لهويتنا. الهوية؛ هذا المفهوم الذي لا يمكن أن يتم بمعزل عن الهو/ الآخر، ومنه استمدت أحرفها وتكونت كمفهوم. لذلك نجد عالم الاجتماع الفرنسي آلان  توران (Touraine) يصرح: " بأن الهوية لا تتأسس إلا بالاعتماد على العلاقة مع الآخر، كما لا نستطيع  رفض المبدأ التحليلي الذي استخلصه علماء الانثروبولوجيا من اللسانيات مفاده أن العلاقة مع الذات تخضع إلى العلاقة مع الآخر: الاتصال يحدد الهوية".

فالأمازيغ، بقدر ما كانوا حريصين على حريتهم وكرامتهم في الحروب التي خاضوها على مر التاريخ، بقدر ما رسموا في المقابل صورا انسانية وحضارية راقية في التعايش مع الحضارات المختلفة، وكانوا طالبي سلام ومحبة وخير، ولا أَدلّ على ذلك من أن تقويمهم قد ارتبط بالفلاحة والارض؛ فنظرتهم الى الزمن كانت نظرة قيمية بامتياز اقترنت بمواسم الزراعة والاعتناء بالمحاصيل وجني الخيرات، هذا الارتباط المشعّ رمزية جعل من ثقافتهم تمارس حضورها المقاوم بسلام عبر حقب التاريخ المختلفة، وجعلنا بعد مرور 2965 عاما، (لا ننسى) أن نهنئ بعضنا البعض ونقول بكل فخر: أسقاس أمقاس. 

- نشر بجريدة "الأوراس نيوز" يوم الأحد 11 جانفي 2015م.