الباحثة بن عكوش سامية في حوار خاص لمدونة "عن كثب" بمناسبة صدور كتابها الجديد: يتأسّس مسعاي النّقديّ على تعريف جديد وخاص للتاريخ وللتراث وللهوّية.



الباحثة: سامية بن عكوش
صدر عن منشورات الاختلاف/ الجزائر، وضفاف/ لبنان، والأمان/ المغرب، كتاب جديد للكاتبة والباحثة الجزائرية سامية بن عكوش، بعنوان "تفكيك البلاغة/وبلاغة التفكيك في نصوص المواقف للنّفريّ"،الكتاب يمتد على مدى 166 صفحة، وفيه تقدم الباحثة لقراء العربية دراسة بلاغية- تفكيكية ذات أبعاد أنطولوجية على نصوص المواقف للصوفيّ محمد عبد الجبّار النّفريّ من القرن الرابع الهجريّ.

واحتفاء بهذا الإصدار المهم، أسعد باستضافتها على صفحة مدونة عن كثب في حوار شيق وممتع عن مغامرتها الفكرية في التجربة الصوفية عن طريق أدوات تيار ما بعد الحداثة.


أجرى الحوار: أ.باديس لونيس


مدونة عن كثب: أيّة مغامرة تخوضينها في هذا العمل؟ وأيّة وجبة أعددتها لقرائك؟


سامية بن عكوش:


أشكرك أوّلا على الاهتمام  بالبحث الصوفيّ والدّراسات التراثية.

في سؤالك عن  نوعية المغامرة التي خضتها في كتابي  " تفكيك البلاغة وبلاغة التفكيك في نصوص المواقف للنّفريّ" الصادر مطلع هذا العام  2014 عن داري اختلاف وضفاف، فإنّها مغامرة بدأت بأوّل لقاء مع نصوص المواقف للصوفيّ محمد عبد الجبّار النّفريّ  من القرن الرابع الهجريّ، أثناء إعدادي  مذكرتي في الماجستير 2005، حيث شدّتني نصوص المواقف لأشهر، وأنا أقرأ فيها وأعيد قراءتها دون ملّل، وهو حال كلّ لقاء بنص عظيم يتواطؤ فيه الجمال والجلال.  تطوّر الأمر إلى اهتمام معرفيّ بعدما تخلّصت من آثار  دهشة الاكتشاف المعرفيّ الأوّل. ووجدت أنّ نفحات المواقف النّفرية قد أثّرت في المتصوفة اللاّحقين على النّفريّ، وأسئلته الأنطولوجية قد لفحت نصوص ابن عربيّ الذي ما ينفكّ يشيد بتجربة الوقفة النّفرية في أكثر من موضع  من " الفتوحات المكّية". وامتدّ تأثير النّفريّ  إلى عصرنا حيث  ألهمت تجربة النّفريّ شعراء الحداثة في الضفّة العربية، على رأس هؤلاء أدونيس الذي استلهم من النّفريّ تساؤلاته  وحيرته ولغته الخلّاقة. بل ودفع التأثّر بأدونيس إلى تأسيس مجلة المواقف النّقدية نسبة إلى مواقف النّفريّ. كما نذكر الشّاعر العراقيّ  أديب كمال الدين الذي استلهم رمزية الحروف عند النّفريّ وأصدر عدّة دواوين  بعناوين  مقتبسة من تجربة النّفريّ، كديوان " مواقف الألف ". 

تمثل تجربة النّفريّ إذن حداثة فريدة مقارنة بكثير من تجارب التراث العربيّ، إذا تجاوزنا الفهم التاريخيّ للحداثة، والتفتنا إلى فرادة تجربة الوقفة، وجدّة الإشكاليات المعرفية التي طرحتها ولازالت تطرحها التجربة. فإذا مثّلنا بحداثة الشّكل الكتابيّ مثلا، فلقد اختار النّفريّ الكتابة المقطعية للتعبير عن تجربته العرفانية. وتسهم الكتابة المقطعية في محاربة أيّ مسعى لتحديد المعنى وتفتح النّصوص على الاختلاف والتوتّر المستمرين. 

بالنّسبة لجدّة الإشكاليات المعرفية التي تطرحها التجربة، نجد أنّ المواقف النّفريّة  تضطلع  بسؤال المعنى: " كيف ينجز  الواقف كينونته مع اللّه، دون أيّ دخل لما سواه؟ وتتأمّل المواقف في نفس الوقت البنيات الأنطولوجية التي تضطلع بإنجاز ذلك، أي الكلام بكلّ مستوياته والقراءة في النّقش الإلهيّ داخل القلب وفي النّص القرآنيّ المكتوب. وبدت لي هذه البنيات مجازية، لا تحسم بين المعنى الحرفيّ والمجازيّ، كما أنّها تفتح سيل المعنى على الإرجاء والاختلاف داخل نفس المقطع، أو من مقطع لآخر. ومن هنا استنبت أسئلة الإشكالية الأساسية: كيف يشتغلّ التناقض داخل النّصوص؟ وما علاقة ذلك بسؤال الكينونة  وببنيات المعنى؟  فكان المدخل البلاغيّ أساس مقاربة سؤال المعنى، والتفكيك استراتيجية ذلك.  

اخترت عنوان " تفكيك البلاغة وبلاغة التفكيك في نصوص المواقف للنّفريّ "، ويكشف أنّ استراتيجية التفكيك البلاغيّ يتمّ ضمن خطوتين: أوّلا تفكيك افتراضات البلاغتين العربية والغربية المنحدرة من تراث أرسطو، أقصد افتراضات التطابق والتشابه والمماثلة التي تنبني عليها البلاغتان، لتعلو مفاهيم الاختلاف والمغايرة. ثمّ أكشف كخطوة ثانية الاعتباط والصدفة اللّذين يعتوران بلاغة النّصوص المفكّكة، فتتحوّل إلى نصوص مجازية،  لا تحسم بين المعنيين الحرفيّ والمجازيّ، كما أجلّي متعة البلاغة التفكيكية. 

شغّلت ترسانة من  المفاهيم البلاغية التفكيكية لتفكيك  نصوص المواقف، استخلصتها بعد طول تأمّل في  ممارسات رائد التفكيك جاك دريدا وأتباعه في ساحة النّقد الأدبيّ أمثال بول ديمان ورولان بارث وجوليا كريستيفا، كما فتحت المدخل البلاغيّ على أسئلة الكينونة كما نظّّر لها هايدغر في كتابه الأساسيّ " الكينونة والزمان "، على اعتبار تجربة الوقفة "أو المواقف النّفريّة" هي تجربة حبّ إلهيّ، يضطلع فيها الواقف في كلّ مواقفه بهمّ الكينونة مع اللّه دون سواه كما وضّحنا ذلك سابقا.  

أتغيا تحقيق هدفا مزدوجا، أوّلا إنجاز محاورة فكرية بين مفاهيم  النّفريّ وهايدغر ودريدا، على اعتبار نصوص المواقف تضطلع بسؤال المعنى الذي شغل دريدا وهايدغر، وتقدّم في نفس الوقت تأمّلات نظرية في  مفاهيم نّظرية كثيرة، تقترب من مفاهيم التفكيك الدريديّ والأنطولوجيا الهايدغرية. ثانيا: أختبر قدرة المفاهيم المعاصرة على إمداد الدّرس التفكيكيّ بالمفاهيم النّاجعة لتحليل كشوفات الواقف؛ ويقع في مقدّمة الاختبار مفهوما الاشتغال الأنطوبلاغيّ والأنطولغويّ اللّذين استوحيتهما من النّاقد المصريّ حسام نايل، واختبرت قوتهما وصمودهما في تربة النّص الصوفيّ أو تهافتهما. 

مدونة عن كثب: تحاولين استنطاق التراث الاسلامي المتميز بخصوصيته، بأدوات غربية، كيف يستوي ذلك؟


سامية بن عكوش:


إنّ أيّ مقاربة للتراث الإسلاميّ بعدّة معرفية غربية، تضعنا في صلب النّقاش الذي ما يزال مستعرا: ما مشروعية الجمع بين هايدغر ودريدا من العصر العصر الحديث والنّفريّ من القرن الرابع هجريّ ؟

يتأسّس مسعاي النّقديّ على تعريف جديد وخاص للتاريخ وللتراث وللهوّية. فيتأسّس الفهم الجديد للتاريخ على مفهوم الزمانية في أصالتها حسب هايدغر، ويرى فيها الماضي ما ينفكّ يمضي والحاضر ما ينفكّ يحضر؛ أي يتجاوز الفهم الأنطولوجيّ التقليديّ للزمن الذي يفصل بين الأزمنة، ويخضعها للتسلسل والتعاقب. وانطلاقا من مفهوم التزمّن للأزمنة الثلاثة حسب هايدغر، يكون التراث أمامنا ومن حولنا، لا وراءنا، وفي  المدخل النّظريّ فصّلت في هذا الفهم الجديد للتاريخ وللتراث. وضمن هذا الفهم الجديد لن يعود سؤال: "ما مشروعية الجمع بين النّفريّ وهايدغر ودريدا ذا أهمّية؟ لأنّ التجارب الثلاثة تلتقي في زمن الحضور الأصيل بمعناه التزمنيّ السّابق، فتتحاور وتتعايش وتتقاطع، كما سيعاين القارئ خلال فصلي الدّراسة التطبيقية.

إنّ مهمتنا كدارسين للتراث الإسلاميّ- وهنا أستعيد فكرة دريدا عن التطعيم الذي حدث في اللّحظة الأندلسية - أن نستعيد لحظة التطعيم بين التراث الإسلاميّ والإغريقيّ واليهوديّ. وهكذا مساع ضرورية في عالم يشهد انفجارا عنيفا للهوّيات الجوهرانية، في صورة داعش وباقي الحركات الدّينية المتطرّفة.

    لا أهدف من هكذا حوار فكريّ بين النّفريّ وهايدغر ودريدا، إلى إثبات أسبقية التراث العربيّ الإسلاميّ إلى كثير من المفاهيم المعاصرة، مثلما تعجّ رفوف مكتباتنا بهذا النّوع من الدّراسات. فهذا المسعى ينطلق في نظري من ذات نرجسية، تعلي من شأن التراث، اعتقادا منها بأنّه قال كلّ ما يمكن وما يجب أن يقال. فتكون النتيجة مشتركة بين كلّ البحوث، ألا  وهي: لقد سبق التراث العربيّ الإسلاميّ إلى هكذا مفاهيم ونظرية. وإنّ هكذا مسعى  يمثّل سطوا نرجسيا على تراث الغير. فدراستي تبتعد عن أيّ ادّعاء نرجسيّ، وتحاول الإنصات الحثيث للافتراضات الخبيئة في نصوص الثلاثة ليس إلاّ.

مدونة عن كثب: قدم سابقا محمد شوقي الزين مقارنة بين النمط المعرفي لكل من جاك دريد وابن عربي، وهاأنت تقرئين النّفري بمنظور دريدا، أية علاقة هذه بين الصوفية في التراث الاسلا مي وتيار مابعد الحداثة الغربي؟


سامية بن عكوش:


للدكتور محمد شوقي الزين مقاربة مهمّة لنمطي الإدراك كما قلت، بين ابن عربيّ ودريدا.  وقد خصّص دراسة في كتابه " الإزاحة والاحتمال " للتقاطعات وللتقارب الفكريّ بين الرّجلين، من خلال مفاهيم دريدا عن الأصل والاختلاف والإرجاء، ومفاهيم ابن عربي عن مراتب الوجود والتجلّي والذات. وهي من الدّراسات الجادة التي تتجاوز الاختلاف الظاهر لتغوص في الائئتلاف الباطنيّ، بالرّغم من أنّ تجربة ابن عربيّ دينية في صميمها وتجربة دريدا تفكّك التمركّزات اللاهوتية، على رأسها الدّين.

بالنّسبة  لقراءة تجربة التراث الصوفي  في شرفة ما بعد الحداثة، أنجزت دراسات في هذا المنحى، على رأسها الدراسة المقارنة التي أنجزها أيّان ألموند  بين دريدا وابن عربيّ بعنوان " التفكيك والتصوّف – درس مقارن بين ابن عربي ودريدا، ترجمه إلى العربية النّاقد المصريّ حسام نايل. وقد يندرج كتابي ضمن هذا الاجتهاد، الذي يحاول قراءة تجربة الكتابة الصوفية  ضمن مقولات ما بعد الحداثة. وتجدّ هكذا دراسات مسوّغات منهجية في اشتراك تيارات ما بعد الحداثة مع التراث الصوفيّ، في الثورة على التمركزات اللاهوتية: العقل، المعنى الواحد، انغلاق المدلول، وفي تأسيسها لتجارب كتابية، تنبني على إدراك جديد للعقل وللذات وللعالم. فعبارة ابن عربيّ " الطريق إلى الحقّ بعدد أنفاس الخلق"  تؤسّس لطرق متعدّدة وجديدة ومختلفة لفهم الدّين، خارج دوغمائية التوحيد الإسلاميّ. وهو ما أثارته تيارات ما بعد الحداثة التي كشفت ضلال العقل وتيهه وسقطاته، وبالتالي رجّت التمركز العقليّ، ورجّحت الاختلاف والمغايرة. 

مدونة عن كثب: أخيرا، كيف تتوقعين استقبال كتابك من طرف قرائك، خاصة مع تزامن صدوره والصالون الدولي للكتاب؟


سامية بن عكوش:


لا أستطيع أن أتكهن بنسبة إقبال القرّاء على الكتاب، فهي تخضع دوما للإمكانيات المادية. يضمّ الكتاب مدخلا نظريا، فصّلت فيه المفاهيم النّظرية التي أقارب بها نصوص المواقف وفصلين تطبيقيين، بمبحثين لكلّ فصل. ما أضمنه هو المتعة المصاحبة للقراءة، مادامت الدّراسة تجمع بين الأدبيّ والفلسفيّ. سأتواجد بالمعرض  في جناح اختلاف يوم الأحد لتوقيع الكتاب، وأسعد بلقاء الأصدقاء المهتمّين بالشّأنين الأدبيّ والفلسفيّ.