الروائي مفتي بشير في حوار خاص مع "مدونة عن كثب": روايتي الجديدة تطرح سؤال ما بعد المرحلة المظلمة ؛ تحولات الحياة والناس وانسحاق أحلامهم الواعدة.


الروائي الجزائري مفتي بشير
مدونة عن كثب: كنت قد أشرت على صفحتك في الفايسبوك أنك تلتقي في رواياتك مع نزعة باتريك موديانو في إحياء الموتى وحكاية حكاياتهم، وهي التقنية التي مارستها في " أشباح المدينة المقتولة" وفي روايتك الجديدة "غرفة الذكريات"،  هل يمكن أن تعطينا لمحة عن كيفية تطبيقها في روايتك الجديدة التي يتشوق قراؤك لاكتشافها؟

مفتي بشير:

نعم إلى حد ما اشعر أنني أعمل مثل موديانو على الذاكرة لاستخراج ما أُهمل ونسيّ، ولم يعُد حاضرًا  إلا كخيال أو قصص أشباح ميتة، ولا أفعل هذا من باب الحنين، كما اشار حتى هو إلى ذلك، بل لأننا اعتدنا أن نهمل الحلقات السوداء من ماضينا البعيد فما بالك بالماضي القريب، طبعا لا أريدك أن تفهم من كلامي أنني قريب من هذا الروائي الذي حاز على نوبل هذه السنة، لا بالعكس قرأته متأخرا، فقط، فكرة العودة والتنقيب في حياة شخصيات لها سند/مرجع واقعي وتحاول أن تتخيل قصصها وتكتبها من جديد، صرت أحبذ هذا المنحى  في كتابتي الروائية وأنا كما تعرف مرتبط في معظم رواياتي بفترة السنوات العنيفة، وهي فترة تعرت الحقيقة البشرية على بشاعتها وعنفها ووحشيتها، وأعيد الحفر في تلك اللحظة التي انكسر فيها الحلم الجزائري وأربط هذا بالماضي البعيد بالحاضر القريب..كيف عشنا؟ ولماذا جرفنا ذلك التيار العنيف فلم نستطع أن نفعل شيئا لصده؟
..في "أشباح المدينة المقتولة" كان الهدف هو حكاية قصص بعض الشخصيات التي قتلت في حادث ارهابي معروف بشارع عميروش بالعاصمة وهو حادث اثر فيّ كثيرا لأنني لم أكن بعيدا عنه وسمعت دويّ الانفجار يومها وهرعت عائدا إلى البيت بكل الخوف والقلق والكوابيس التي حملتها معي وقعدت أتفرج على شاشة التلفزيون هول ما حدث ..والحق نسيت أمره بعدها لكن كلما مررت بعميروش أتذكر الحادث ويحدث في داخلي هزة عنيفة ومع نفسي أقول أن الناس الذين قتلوا فيه نسيناهم تماماً حتى أسماءهم لم نعد نذكرها، بقوا أرقاما فقط موثقة في بعض الجرائد ..بعث فيّ هذا الاحساس رغبة حكاية قصص بعض منهم على الأقل ...
غلاف رواية "غرفة الذكريات" للروائي مفتي بشير
في "غرفة الذكريات" روايتي الجديدة..تذكرت مرحلة حالمة في التسعينيات، وهي مرحلة الأدب  والتطلعات والأحلام الشعرية والأدبية  التي كانت واعدة ثم وجدت نفسها مسحوقة أمام طاحونة القتل والموت والعبثية المطلقة فأعدت الروح في شخصيات شعراء متخيلين وكاتب يريد كتابة رواية واحدة في حياته هي عن هؤلاء الذين عرفهم وشهد تجربتهم  ..والسؤال الذي أطرحه هل نستطيع أن نصمد في واقع ظلامي عنيف؟ ما هو شكل الحياة التي نصمد بها؟ ولكن روايتي هذه تطرح  كذلك سؤال ما بعد المرحلة المظلمة تحولات الحياة والناس وانسحاق أحلامهم الواعدة. ما الذي ذهب ؟ وما الذي بقي؟
الراوي عزيز مالك لم يجد  خلاصه إلا في كتابة تلك الرواية، وفي حب قديم بقيّ يؤرقه وهو يحلم أنه ما يزال مُمكنا.
مدونة عن كثب: يتكرر حضور موضوعة "السلطة/النظام" في أغلب رواياتك، خاصة منها "دمية النار" وفي كل مرة تحاول الاقتراب من فهم الموضوع، نجد أن صورة السلطة قد زادت ضبابة وغرائبية كذلك. هل تتقصد ذلك؟

مفتي بشير:

إنها ليست الموضوعة الرئيسية ولكنها تحضر كخلفية مهيمنة على قدر الناس والحياة، نحن نعيش في بلد نحس أن قوى خفيّة تحكمه ليس من العفاريت والجن بل من البشر الذين يشبهوننا ولكنهم تحكموا في زمام الأمور منذ استقلال الجزائر 1962 وهمشوا الأغلبية أي نحن..في "دمية النار" كنت أريد أن أتخيل قصة هؤلاء، ومن هم ؟ وكيف يحكمون  ويديرون الأمور؟ ذهبت إلى أبعد ما استطيع من تخيل وفانطانستيكية ..كنت أحاول أن أكون روائي قبل كل شيء أي لست باحثاً ولا عارفا تمام المعرفة بخبايا الأمور فأنا واقعيا لم اقترب من هذه المنطقة قط، لأنني فكريا وطبقيا منحاز إلى الذين يعيشون مثلي "تحت" وكل ما فعلته أن تخيلت صعود شخص "هو رضا شاوش"  من " تحت" إلى "فوق " وهو يكتشف الحقائق الخافية على الجميع ويتلوث ويفقد روحه حتى يصبح بتعبير كافكا "مسخا" غير بشري أو بشري الشكل وليس الروح.
مدونة عن كثب: هل يمكننا ان نتحدث عن دخول ادبي في الجزائر، يكون تدشينه بمناسبة المعرض الدولي للكتاب؟

مفتي بشير:

بما أن هنالك مناسبة هي المعرض الدولي للكتاب تتزامن مع الدخول المدرسي وغيرها فأنا اقول وما المانع أن نتحدث عن دخول أدبي من خلال إصدارات أدبية جديدة ستعرض في معرض الكتاب كفرصة مهمة للتواصل بين الكاتب والقراء  خاصة اليوم بفضل شبكات التواصل الاجتماعي صار القراء يعرفون كتابهم ويتابعونهم ويتحمسون لقراءة نصوصهم وهذا شيء جميل وجديد ويساعد ربما الكتاب على الانضباط والجدية في عملهم..
صحيح ينقص الدخول الأدبي مشهد ثقافي وأدبي يؤسس له وينظمه ويعطيه معنى وأفُق أكبر من مجرد  إصدار أعمال وتلقيها من جمهور القراء أي نحن نحلم أن تكون هنالك جوائز حقيقية لأحسن الأعمال  الفكرية والأدبية وغيرها ..من شأنها أن تخلق منافسة بين الناشرين وتحمس كذلك الكتاب ..
تصور لو كانت عندنا جائزة لأحسن رواية حتما تشجع الناشر على الاهتمام أكثر بالابداع الروائي.
تصور لو كانت عندنا أحسن ترجمة في العلوم الإنسانية ومختلف العلوم ستحمس أكثر الناشر والمؤلف..وجائزة أحسن دراسة فكرية أو نقدية ..الخ أحسن دار نشر كل سنة..هذه تقاليد ضرورية لتطوير النشر والتشجيع على التأليف.
مدونة عن كثب: على ذكر المعرض الدولي للكتاب، كيف تقرأ تطور الطبعات السابقة؟ وماذا تتوقع بشأن هذه الطبعة؟

مفتي بشير:

صراحة لا اشعر أنه يتطور أو يتأخر هو ستاتيكي جامد تقريبا لا أدري ما السبب؟ ولكن يوجد حتما ضعف مخيال قادر على اعطاء الحدث أهمية أكبر ويوسع من دوره ويعطيه روح خلاقة بالفعل وهذا ما نتمناه صحيح هو فرصة لكي يبيع الناشر كتبه التي ترفض عادة مكتباتنا القليلة أخذها للعرض، وهي طريقة للتسويق وغيرها ولكن أعتقد ما تزال تنقصه تلك الروح الخلاقة التي تبعث فيه شرارة الابداع والحرية ..النشاطات الثقافية ضعيفة ولا أدري ما سبب ضعفها رغم أن عشرات الكتب تظهر وتكفي لكي يكون حولها نقاشات أدبية لكن تعودنا ان من يدعى ليس من يكتب وليس من هو فاعل ثقافيا بل تعرف من ..يعني من هذه الناحية الأمور بقيت سيئة.
مدونة عن كثب: ماذا حضّرت منشورات الاختلاف هذا العام؟

مفتي بشير:

سنقدم عددا كبيرا من الكتب، والذين يتابعون صفحتنا على الفايس بوك يدركون الجهد الذي نبذله لنقدم الأحسن والأنفع،  لا أقول هذا مدحا لعملنا، ولكن لأننا بالفعل نسعى للارتقاء بالمعرفة الأدبية والفكرية في الجزائر ..كان هدفنا دائمًا  هو كيف نقدم الجديد، ونراهن على الأسماء التي  تتميز بالعمق والجدية  في بلد صعب كالجزائر العمل فيه يجازى عادة بالتهميش والإقصاء..
لا أستطيع ذكر كل العناوين طبعا هنالك أكثر من 80 عنوان جديد في مختلف المجالات التي ننشر فيها العلوم الإنسانية والآداب خاصة ..سأكتفي بالرواية والشعر فحسب:
هنالك عملين للروائي المتوج بجائزة نوبل لهذه السنة باتريك موديانو " الأفق" و" عشب الليالي" في ترجمة عربية جميلة للمغربي توفيق سخان والذي نقدم له ايضا ترجمة للسيرة الذاتية للروائي الأمريكي بول باولز " بدون توقف"
بالنسبة للرواية الجزائرية توجد رواية أمين الزاوي الجديدة "الملكة" مع طبعة جديدة من روايته "السماء الثامنة" والرواية الجديدة لسمير قسيمي التي ينتظرها قراءه بشغف "حب في خريف مائل" كما رواية المبدع محمد جعفر الجديدة "هذيان نواقيس القيامة" والرواية التي احتلت المرتبة الثالثة لجائزة الطيب صالح 2013 للجزائري أحمد طيباوي "موت ناعم" إلى جانب روايتي الأخيرة " غرفة الذكريات" وكتابي الذي جمعت فيه مقالات ونصوص وتأملات بعنوان "سيرة طائر الليل"
الشعر سيكون حاضرا معنا من خلال مجموعة شعرية جديدة للشاعرة والروائية ربيعة جلطي "النبيّة تتجلى في وضح الليل" ومجموعة الشاعرة المميزة سمية محنش "مسقط قلبي".