البروفيسور "العياشي عنصر" لمدونة "عن كثب": لهذه الأسباب أنا متحفظ على ما يسمى نظرية الحتمية القيمية في الإعلام

البروفيسور العياشي عنصر
يسعدني ان أستكمل النقاش الذي بدأ منذ فترة على صفحات هذه المدونة حول نظرية الحتمية القيمية، بهذا الحوار المهم جدا مع البروفيسور العياشي عنصر، الأستاذ الباحث الجزائري المتخصص في علم الاجتماع، والذي عمل بعدة جامعات ومراكز بحث عربية وأجنبية، وهو حاليا عضو هيئة التدريس بقسم علم الاجتماع بجامعة قطر.
في هذا الحوار الذي أراده دكتورنا ان يكون بمثابة دراسة علمية، يتطرق فيه إلى موقفه من النقاش الذي فُتح منذ فترة حول نظرية الحتمية القيمية، كما يشرح بكثير من التعمق؛ الاسباب التي وقفت وراء موقفه المتحفظ منها. وقد يكون دكتورنا قاسيا في بعض المواضع، ولكن وضوح رؤيته وموقعه الذي ينطلق منه لنقد النظرية تحتم علينا كأنصار للنظرية أن ننتبه أكثر إلى ما يقوله.
الحوار ايضا تضمن نقطتين مهمتين لهما صلة قوية بالموضوع الرئيسي (نظرية الحتمية القيمية) وهما: علاقة الايديولوجيا بالعلم، وواقع البحث العلمي في العلوم الإنسانية عموما في المنطقة العربية.
أرجو أن يكون هذا الحوار لبنة في الرقي بالنقاش العلمي الجاد في سبيل الوصول إلى الحقيقة العلمية دون سواها، ولذلك فالمجال مفتوح أمام الجميع للمشاركة والمساهمة بأفكارهم وآرائهم حول ما تضمنه هذا الحوار من نقاط أفكار ورؤى.

أجرى الحوار: أ. باديس لونيس

·        مدونة عن كثب:  كيف تقرؤون  النقاش الدائر هذه الايام حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام؟

أ.د العياشي عنصر: في الواقع، لا يمكننا الحديث عن وجود نقاش حول هذه النظرية، إذ لا يكفي نشر مقال واحد مهما كانت أهميته، ومهما تضمن من انتقادات لهذه النظرية، ثم نشر رد، أو ردين على ذلك المقال من رواد "هذه النظرية" لكي نتحدث عن وجود نقاش حولها، وأعتقد أن هذا الوضع لا يمثل استثناءً. على العكس، هناك غياب كامل للنقاش على الساحة الثقافية الجزائرية. نحن ليست لدينا تقاليد في فتح المناقشات حول الأفكار مهما كانت قيمتها، ومهما كانت درجة الاختلاف حولها. فلو اعتمدنا مقياس الجدل الذي يدور في الساحة حول قضية أو فكرة معينة، لأمكننا القول أن الحياة الفكرية عندنا راكدة تماما. لنأخذ هذا المثال حول "نظرية الحتمية القيمية" التي ظهرت بوادرها منذ ما لا يقل عن عقد من الزمن. ومع ذلك لم تثر أي اهتمام ، عدا ذلك الذي أولاها أياها أنصارها في جامعة الأمير عبد القادر في البداية، ثم بعد ذلك في عدد من أقسام الإعلام والاتصال في الجامعات الأخرى. لكن حتى هذا الاهتمام كان في اتجاه واحد، لأنه يتسم بالقبول والترحيب والتبجيل، وفي الغالب الأعم بالمبالغة في إبراز قيمة هذه النظرية.
في المقابل، لم تستقطب النظرية أية ردود فعل نقدية حقيقية على الإطلاق، بل وقع تجاهلها، كأنها لم تكن، ولولا الضجة التي أثارها مناصروها حولها بنشر بعض المقالات، وعدد من المقابلات الصحفية على الجرائد أو في بعض المواقع على الشبكة العنكبوتية مثل موقعكم هذا، ثم نشر كتاب حولها، وتنظيم عدد من الندوات ثم الملتقيات التي تناولتها بصفة جزئية. لولا تلك الأنشطة التي كانت، تأخذ في كثير من الأحيان صيغة الحملة الدعائية، أكثر من وصفها بالدراسة والتحليل العلمي، والتمحيص الأكاديمي الرصين، لما أمكن لأحد الانتباه إلى هذه النظرية. أقول هذا ليس للتقليل من شأنها، ولكن لأن الساحة الفكرية والثقافية الجزائرية ليس فيها تقاليد من هذا القبيل كما أسلفت القول.
 كما قلت، هذه ظاهرة عامة وقد استرعت انتباهي شخصيا منذ حوالي عقدين من الزمن بمناسبة كتابة استهلال لكتاب مهدى لروح زميل عزيز هو عالم الأنثروبولوجيا الدكتور فوزي عادل (أستاذ بجامعة قسنطينة، وباحث في مركز الوطني للبحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية) رحمه الله الذي غيبه الموت منتصف التسعينيات من القرن الماضي، بعد معاناة مع المرض وهو في أوج عطائه. فالمثقفون في الجزائر، على اختلاف مجالات الإبداع والفكر وفي كل فروع المعرفة، يتجاهلون بعضهم بشكل منهجي، كأنه لا وجود للآخر سواء كان متفقا مع الرأي أو مخالفا له. وإذا حدث أن وقع الاهتمام، فإنه عادة ما يأخذ طابعا سلبيا على شكل انتقاص من قيمة الآخر، وتبادل التهم بين الأطراف المعنية. نلاحظ مثل هذه الوضعية بين الأدباء والفنانين في عالم الرواية المسرح، والسينما، وحتى بين الأكاديميين والباحثين عموما حيث تسود حالة من التجاهل المتبادل بينهم لدرجة أنه نادرا ما تجد باحثا بارزا في أي تخصص يستشهد بأعمال زملائه أو يشير إليها، في حين لا يقتصد في الإشارة إلى أعمال الباحثين الأجانب. إنه بالفعل واقع محزن، ومؤسف، ومحبط، لكنها حقيقة موضوعية، وهي بذاتها ظاهرة بحاجة إلى دراسة.    

·        مدونة عن كثب:  تبدو متحفظا من النظرية، هل يمكنكم أن توضحوا أسباب هذا التحفظ؟

أ.د العياشي عنصر: بالنسبة لي، اطلعت على هذه النظرية من خلال نص للدكتور عبد الرحمن عزي وكنا حينها هو وأنا نعمل في جامعة الإمارات العربية المتحدة، يمكن عام 2003 أو 2004، كنت وقتها أدرس مادة "قضايا معاصرة" لطلبة علم الاجتماع، وكان مضمون المادة يقوم على الاختيار الحر من قبل الأستاذ لمجموعة من النصوص التي تعالج قضايا ذات أهمية وراهنة لمناقشتها مع الطلاب. حدث أن اخترت مقالة نشرها د/ عزي آنذاك، لا أتذكر عنوانها بالضبط، لكنها تعالج موضوع "الحتمية القيمية في الإعلام". كانت تلك أول فرصة لي للقاء مع النظرية، وكان النقاش مع الطلبة ثريا ومثيرا للجدل في آن.
كان موقفي حينها، وما يزال، تجاه ما يسمى "نظرية الحتمية القيمية" في الإعلام نقديا ومتحفظا حول قيمتها، ومدى قدرتها على الصمود أمام النقد مع مرور الوقت. لعل أهم مأخذ على هذه النظرية هو النكوص بالتفكر العلمي إلى نماذج ولى عهدها منذ زمن طويل باعتمادها فكرة الحتمية، وتأسيسها على القيم وبالذات القيم الدينية. هذه المفاهيم المركزية بالنسبة للنظرية بحاجة إلى توضيح حتى يعرف القارئ ما ذا يعني مفهوم الحتمية مثلا، وما ذا يعني أن تقوم النظرية على فكرة القيم عموما والقيم الدينية بالذات، وما النقائص الأساسية التي تتسم بها. أعتقد أن ذلك سوف يسمح بتسليط الضوء على مقدار هائل من اللبس، والخلط، ونقض الدقة، وغياب الوضوح، وجميعها مآخذ تقلل من قيمة النظرية، وتطرح تساؤلات عديدة بشأن قدرتها على تقديم تفسير علمي للممارسات الاجتماعية في عالم الإعلام والاتصال، وهو ما تطمح إليه هذه النظرية. لكنها تواجه تحديات كبرى بسبب ما يلفها من غموض، وبخاصة ما تعلق بمفاهيمها الرئيسية، كما سأوضح لاحقا.
مفهوم الحتمية
          الحتمية تعني ببساطة نموذجا تفسيريا يقوم على تصور مفاده أن ظاهرة ما تحدث نتيجة تأثير متغير سابق لها وجوبا. وهي بالإضافة إلى كونها تتضمن فكرة العلية أو السببية التي تعني ارتباط الظواهر بمتغيرات محددة سابقة الحدوث عليها، تضيف إلى ذلك فكرة الضرورة أو اللزوم، بمعنى أن المتغير (س) شرط ضروري ولازم لحدوث الظاهرة (ص). هناك نظريات عديدة تبنت هذا النموذج خلال مسيرة العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ لعل أشهرها نظرية الحتمية الاقتصادية (قراءة من زاوية محددة لنظرية ماركس حول العلاقة بين البناء التحتي ممثلا في نمط الإنتاج وعلاقات الانتاج، والبناء العلوي ممثلا في السياسة والقوانين والأيديولوجيا)، ومنها نظرية الحتمية الديمغرافية ( توماس مالتوس Thomas Robert Malthus)، ونظرية الحتمية التكنولوجية (ثورشتاين فيبلن Thorstein Veblen )، ونظرية الحتمية العرقية (مفكرو الفاشية والنازية)  ...الخ. تشترك جميع هذه النظريات في صفة أساسية هي ربط وقوع أحداث وظواهر معينة حصريا بشرط أو متغير واحد دون غيره.
لا يخفى أن التفسير السببي في العلوم الاجتماعية يقع في قلب الابستمولوجيا الوضعية منذ تأسيس أوغست كونت A. Comte لعلم الاجتماع الحديث، وبالذات في فكرة قانون التعاقب والتزامن”Diachronic and Synchronic Laws. وقد وضح الفيلسوف البريطاني جون ستوارت ميل “J.S, Mill” هذه العلاقة من خلال صياغته لما أسماه آنذاك بقانون التلازم في الحضور، والتلازم في الغياب للتدليل على فكرة السببية في صيغتها الحتمية. لكن ذلك يطرح إشكالات إبستمولوجية عديدة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وعلم الاجتماع وعلوم الإعلام والاتصال بالذات، حيث تواجه هذه الفكرة بالرفض بسبب خصوصية موضوع هذه العلوم. فالموضوع هو الإنسان وأفعاله وما يرتبط بها من دوافع، ورغبات، وإرادة، ولا عقلانية، وإكراهات، وإبداعات. ويتميز هذا الموضوع بالتعقيد لأن الأمر يتعلق بمواقف تتظافر في تشكيلها عوامل عدة؛ بعضها ذاتية وأخرى موضوعية، يقوم الفاعلون الاجتماعيون ضمنها، ومن خلالها بأفعال يسبغون عليها وعلى نتائجها معاني ودلالات، ويستعملونها (المعاني) كأدوات في فهم وإدراك تلك المواقف التي يكونون قد قاموا ببنائها خلال عمليات التفاعل الاجتماعي، في ظل شروط وظروف بعضها من اختيارهم، وبعضها يتجاوز إرادتهم واختيارهم كونها معطى بنيويا متضمنا في البيئة التي يوجدون فيها.
لكن برغم ما قد تتضمنه نظريات الحتمية من صدق في إبراز تأثير عامل معين مثل الاقتصاد، أو العرق، أو التكنولوجيا، أو القيم مثلما نحن بصدده الآن، في تفسير ظواهر محددة، فإنها تبقى عاجزة عن استيعاب حجم التعقيد المميز للظواهر التي تتعامل معها، وتعدد العوامل المؤثرة فيها ومدى تداخلها. إن الحقيقة التي تكشفها نظريات الحتمية غالبا ما تكون جزئية ومبالغا في تبسيطها، بل تكون أحيانا أخرى خاطئة تماما. وعلى العموم هناك مأخذان رئيسيان على نظريات الحتمية أيا كانت طبيعتها.[1] 
يتعلق الأول بسيادة نظرة فجة وغير دقيقة حول طبيعة موضوعها، وحول المتغير الذي تعتمده لتفسير الظاهرة. فلو أخذنا مثلا نزعة الحتمية في النظرية الماركسية، لوجدنا أن العامل الاقتصادي ذاته بحاجة إلى شروط مسبقة قانونية وسياسية وأيديولوجية حتى يتشكل كواقع. هذا ما أكدته دراسات جيل جديد من الماركسيين المحدثين مع نهاية القرن العشرين. ما يعني أن العامل الاقتصادي ذاته يمثل كيانا مركبا ومتعددا في طبيعته أكثر مما تتيح فكرة الحتمية الاقتصادية. وما قيل عن الاقتصاد يصدق على القيم والعرق والتكنولوجيا أو أي عامل آخر.
أما النقيصة الثانية، فترتبط بالأولى، وتشير إلى النظرة الاختزالية حول العلاقة السببية التي تربط بين الظاهرة والعامل الذي يقف وراءها. إذ بخلاف العلوم التجريبية أين يتيح المختبر إمكانية التحكم في المتغيرات؛ عددا وترتيبا وشدة، فإن السببية في العلوم الاجتماعية تواجه صعوبات جمة وكثيرة بذات الوقت، بسبب تعدد العوامل وتداخلها في الموقف الواحد. إذ برغم إمكانية الحديث عن العلاقة بين عاملين مثل القيم و وتأثيرها على محتوى الرسالة الإعلامية، فإن هذه العلاقة تتأثر بعوامل أخرى، سواء كانت عوامل وسيطة، أو فاعلة بسبب أن الموقف ذاته مركب وناتج عن تظافر عوامل عدة، وبسبب غياب إمكانية التحكم المختبري فيها، وبالتالي قياس مدى تأثيرها. باختصار، يتميز موضوع العلوم الاجتماعية بكونه مركبا تتظافر عوامل عدة في تشكليه، وبكون العلاقة السببية معقدة، غالبا ما تلعب فيها العوامل الوسيطة دورا مهما، بالإضافة إلى عناصر عدم اليقين والإبداع التي تعتبر من السمات الأساسية للحامل الاجتماعي (الفاعل في الموقف الاجتماعي) الذي يمثل موضوع هذه العلوم بامتياز. 
هكذا فإن "نظرية الحتمية القيمية" في الإعلام لا تواجه معضلة ابستيمولوجية كبرى ممثلة في التفسير السببي فحسب، بل تضيف إليها واحدة أخرى عندما تحصر التفسير السببي أو العلي في عامل واحد هو "القيم"، بمعنى أنها تربط تفسير الرسالة الإعلامية، مضمونها، فاعليتها وتأثيرها حصرا بالقيم التي تحملها، وليس بأي شيء آخر غير ذلك. بمعنى، أنها تستبعد كل المتغيرات الأخرى ولا تعتبرها ذات قيمة تفسيرية للرسالة الإعلامية. تجدر الإشارة هنا إلى اللبس الكبير الذي يحيط بالمفاهيم التي تقوم عليها هذه النظرية؛ أعني مفاهيم مثل؛ النظرية، والمنهجية، والحتمية، والقيم.
التباس المفاهيم:
تميزت ردود أصحاب "نظرية الحتمية القيمية"، د/ عبد الرحمن عزي ود/ نصير بوعلي على المقال الذي تعرض لهم بالنقد بدرجة كبيرة من اللبس والخلط في تحديد المفاهيم الرئيسية التي هي؛ النظرية، والحتمية، والمنهجية، وطريقة استخدامها. سأقدم نماذج عن كيفية تعامل الزميلين عزي وبوعلي معها من خلال اقتباس فقرات مطولة من رديهما. يدعي عزي أن الحتمية سمة مميزة لغالبية النظريات الكبرى (وأتساءل من أين أتى بهذه المعلومة؟)، بل أكثر من ذلك يدعي أن النظرية لا تستحق هذه التسمية إن لم تكن حتمية (تساؤل آخر عن مصدر هذه المعلومة؟). ويرد على النقد الموجه لصفة الحتمية التي تحملها نظريته بالقول، أن النظرية ينبغي أن تكون حتمية أو لا تكون!! ويحيل القارئ إلى شرح بوعلي حول مفهوم الحتمية (رد عزي ص 3). لكن ما قدمه بوعلي لا يقنع أحدا، بل يعبر عن عدم فهم ما تعنيه الحتمية أصلا، ولا ما تعنية النظرية كما سأبين لاحقا. يقول عزي عن الحتمية في رده ما يلي:
 "ولو دققنا في النظريات الكبرى من نوع  (macro)  فإن أغلبها يحمل نزعة حتمية أي يركز على متغير ثقيل (وهو ما يميزها) مثلما شرح ذلك د. نصير بوعلي. فالظاهرتية مثلا تركز بالأساس على المعاني الذاتية التي يحملها الفرد حول تجربته، أي حتمية ذاتية إن صح هذا التعبير ولا تنشغل كثيرا بالمتغيرات الأخرى، والنقدية تركز بالأساس على البنية الاقتصادية، أي حتمية اقتصادية. ويندر أن تجد نظرية تتعامل مع كل المتغيرات بالتساوي وإلا لم تعد نظرية وإنما عملية جمع و صف وتكديس، وذلك أمر سهل في متناول الخاصة والعامة..."  (عزي  فقرة 2، ص 4)

واضح هنا أن عزي يخلط بين مفهوم الحتمية كما هو شائع، وقد وضحته سابقا، وبين اعتماد النظرية على مجموعة متغيرات متفاوتة في وزنها وأهميتها التفسيرية، قد يكون بينها متغير ثقيل كما أسماه. ويحاول عزي تبرير اللجوء إلى الحتمية لإبراز أهمية القيمة كعامل مستقل. هذا المفهوم المركزي الثاني في النظرية هو الآخر يلفه اللبس من جهة طبيعة القيم المقصودة بالذات، وأيضا من جهة علاقة القيم بالواقع. إذ يقدم عزي وزملاؤه تصورا مغرقا في المثالية لتلك العلاقة. تصور منفصل عن الواقع تماما، فالقيمة هي الأصل والمصدر والكيان النقي، "كيان لاتاريخي" لأنه بتعبير عزي نفسه متجاوز للزمان والمكان، بينما الواقع تابع ومشوه. يقول عزي:
 أن أهمية هذه التسمية (يقصد الحتمية) تكمن في لفت الانتباه إلى متغير أساس مستقل (القيمة) وبدون هذه التسمية تتحول القيمة إلى متغير إضافي أو تابع،  فالواقع من يحتاج إلى الارتقاء للقيمة حتما وبالضرورة، ولا تخضع القيمة إلى تشوهات الواقع. فالقيمة تتجاوز حدود الزمان والجغرافيا، أي أنها مستقلة على المتغيرات الظرفية وتتخذ أبعادا إنسانية "عالمية." (عزي ص 4) (التأكيد في الفقرة لي لإبراز الالتباس في ذهن عزي بين المتغير الإضافي والمتغير التابع)

لكن عزي سرعان ما يغير موقفه محاولا التقليل من أهمية التسمية، واعتبارها مسألة ثانوية، رغم أنه يعترف ضمنا بإمكانية أن تكون خاطئة بسبب التعديلات التي تدخل على النظرية لاحقا استجابة للنقد الموجه لها (فقرة  3، ص). ومن ثم يصرف النظر عن مسألة التسمية طالبا التركيز على المضمون؟ لكن ما لا يتفطن إليه، والأرجح أنه يعلم ذلك لكن يتجاهله، هو أن المضمون مرتبط بقوة بالتسمية ويجسدها. وبالتالي فالنقد الموجه للتسمية لا محالة يطال المضمون. وحتى لو سلمنا له بذلك جدلا، فإن الحقيقة الساطعة هي أن المضمون كما توضحه الردود المنشورة لم يتغير قيد أنملة. ذلك ما يؤكد مرة أخرى ادعائي بأن موقف رواد هذه النظرية يتسم بالوثوقية أو الدغمائية، لا يتقبلون النقد، ولا يبدون أي استعداد لمراجعة منزلقات النظرية وتصحيحها. إنه موقف يجانبه الصواب طبعا، وأقل ما يقال عنه أنه مثير للغرابة، كونه صادر عن أكاديميين متخصصين ولهم خبرة طويلة في مجالي التدريس والبحث على حد سواء.
ما يقوله بوعلي في التوضيح الذي يحيلنا إليه عزي عن الحتمية ليس أقل غرابة، ولا أقل تشويها لمضمون المفهومين (النظرية والحتمية)، حيث يعتبر كل نظريات القرن 19 حتمية، وأنها تطورت لتصبح علوما مستقلة!! (أليس هذا أمر غريب) وينفي عن "الحتمية" تهما عديدة مثل صفات الانغلاق والإطلاق، والتسلط الفكري، والشمولية...الخ. بل يعتبرها أيديولوجيا وبصفتها تلك تم تجاوزها. فما هي الحتمية إذن؟ الحتمية عندهم ليست عقيدة سياسية أو أيديولوجيا، بل مرجعية في التفسير، ومجالا فكريا محددا يؤطر عمل الباحث، إن الحتمية عنده تتجسد بالطبع في القيمة، وبالذات في القيم التي مصدرها الدين (سأعود لهذا بعد حين). لكن هناك التباس كبير وتناقض صارخ كما تبين الفقرة التالية. من جهة، القيم هي المتغير الأساس، ومن جهة ثانية، اعتبار كذلك لا يلغي أهمية المتغيرات الأخرى ودورها، بل قد تكون هي الأساس. من حق القارئ أن يتساءل ما معنى الحتمية والحال هذه؟ كيف يمكننا قراءة مثل هذا الخطاب الملتبس والمتناقض الصادر عن أكاديمي متخصص؟  يقول بوعلي: 
إن تسمية الحتمية (déterminisme) ليست مشكلة أسيء طرحها كما قد يبدو لصاحب المقال وغيره من المعترضين، فمسمى الحتمية أطلق منذ القرن التاسع عشر على كل النظريات التي تطورت إلى علوم مستقلة، وما الشعور بالحتمي إلا الشعور بالنسق أو النظام الأساسي كما يقال. والحتمية لا تعني المطلق أو الجبرية أو التسلط الفكري أو الشمولية أو الكليانية أو إلغاء الفكر المضاد إلخ. كما يعتقد آخرون متهمينا بالتحوط أو الانغلاق أو الثبات أو الجمود وعدم الانفتاح ... ( نعم عصر الحتميات كأديولوجيا قد ولّى). الحتمية عندنا ليست لونًا سياسيُّا أو إيديولوجيًّا وتعني مرجعيتنا في التفسير، مجالنا الفكري المحدد الذي ينبني على القيمة ( تحديدا التي مصدرها الدين) المتغير العلمي الأساس لمعالجة الظاهرة الإعلامية دون إلغاء المتغيرات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لها علاقة بالظاهرة وقد تكون هي الأساس. فالحتمية عندنا وسيلة وليست غاية في حد ذاتها...إن مصطلح الحتمية فرض نفسه في النظرية للتمييز بين هذه النظرية والإعلام القيمي عموما." (بوعلي  ص ص 10-11). (التأكيد لي لإبراز الالتباس والتناقض الصارخ في خطاب بوعلي)

هناك مفهوم آخر على غاية الأهمية هو المنهجية، جرى التعامل معه بأسلوب يتسم بكثير من الغموض والتناقض وعدم الدقة. لنتفحص الفقرة التالية أين يستخدم بوعلي مفهوم المنهجية حينا ليعني الابستمولوجيا، بيد أنه يبدو وكأنه لا يريد استعمال هذا المفهوم، أم أنه  ليس مطلعا عليه؟ لا أتصور ذلك طبعا؟ وحينا آخر ليعني طرق البحث وأدواته، ومرة أخرى ليعني الخلفية النظرية. يتسبب الكاتب في كثير من اللبس، بحيث يخلط بين الابستمولوجيا والمنهجية والخلفية النظرية[2]، كما يميز بين المنهجية كمعنى وفكر، والمنهجية كمبنى وأداة (تمييز غريب، لم أسمع به شخصيا من قبل). ويعطي أمثلة عن تسميات أيضا غريبة لمنهجيات مثل؛ منهجية الوصل والفصل، المرحلي الثابت، والمرحلي المتصل، المنهجية الخلدونية، والماركسية، والمثالية، والطوباوية....الخ. ثم يختم الفقرة بجملة تلغي كل ما سبق "وأصل المنهجية هو التأويل". أليس من حق القارئ أن يتساءل ما المقصود بالضبط بهذه المفاهيم؟ وهل يمكن أن يخرج بفكرة واضحة ودقيقة بعد قراءة هذه الفقرة؟ يقول بوعلي:
 "ألا يعلم بما يسمى في أدبيات التراث منهجية الوصل والفصل والتعاقبي والتزامني (وهذه في دراسة تطور اللغة خاصة ) ، المرحلي والثابت والمرحلي المتصل ( الذي قد يشكل نظرية ) والمرحلي المنفصل ( الذي قد لا يشكل نظرية ) ... أدعوه إلى قراءة وتأمل كتاب المرحوم محمد عابد الجابري " نحن والتراث " ليتعرَّف على هذه المنهجية، فالضرورة العلمية تقتضي في بعض الأحيان فصل الفكر عن الواقع والعكس . كما أدعوا المشككين في النظرية التعمق في قراءة المنهجية ليس على مستوى العينات والفرضيات وأدوات البحث المستخدمة والملاحظة بالمشاركة فحسب وإنما على مستوى الفكر أيضا ، أو مثل ما قال المرحوم برحمة الله محمد عابد الجابري المنهجية كمحتوى معرفي . فالمنهج هو بالأساس رؤية، و الأدوات قد تساعد على فهم الرؤية . فالمنهجية عندنا تأخذ صفة الخلفية النظرية التي تؤسسه كأن نقول المنهجية الخلدونية والمنهجية الماركسية والمنهجية المثالية والمنهجية الطوباوية إلخ ... وأصل المنهجية هو التأويل بالأساس. أما ما ورد في مقال صاحبنا فهو قد تحدث عن تقنيات تطبيق البحث وهو موضوع آخر. ومنهجيا عندما نناقش موضوع معين ينبغي في البداية تحديد مجال الحديث أو فن تسليط الضوء على فكرة محددة أو ما يسمى باللغة الفرنسية Projection)) ( المنهجية كمعنى وفكر شيء والمنهجية كمبنى وأداة شيء آخر ) حتى لا نتيه وتختلط علينا الأمور". بوعلي ص 10)

صراحة، أكاد أجيب على الزميل بوعلي بالقول، بل لقد تهنا واختلطت علينا الأمور.  أعتقد أن تصور الزميلين أصحاب النظرية للمفاهيم الأساسية التي تعتبر من المسلمات عند أي باحث متمرس في العلوم الاجتماعية يعكس مدى اللبس الكبير، ويجسد درجة الاضطراب الخطير الذي يعاني منه الإطار المفهومي للنظرية. لا أكاد أصدق ما يقولانه عن النظرية، والحتمية، ومحاولات تبرير هذه التسمية، وأقل ما يقال عنها أنها غير موفقة تماما. كما أتعجب مما قيل في شرح مفهوم المنهجية. أم يكن الأولى بأصحاب النظرية مراجعة أول معجم في اللغة العربية، أو أي معجم فلسفي، أو معجم في العلوم الاجتماعية، وهي كثيرة، ليتأكدوا من دلالة هذه المفاهيم، ويتجنبوا الوقوع في مثل هذا اللبس. كما كان بإمكانهم الرجوع إلى أي كتاب في مناهج العلوم عامة، ومناهج البحث في العوم الاجتماعية بخاصة. لكن يبدو أنهم لم يكلفوا أنفسهم هذا العناء. كانت النتيجة، طبعا، مقدارا كبيرا من اللبس والضبابية، وكما هائلا من الخلط والتناقض في معنى المفاهيم الأساسية المتداولة وفي توظيفها. إن قضايا على غاية الأهمية مثل تحديد المفاهيم وتوظيفها بشكل سليم لا يتم التسامح فيه عادة مع الطلاب، فكيف بالأساتذة من مستوى الزميلين، وهم أكاديميون متخصصون في علوم الاتصال والإعلام.
رفض النقد ومنزلق الوثوقية
تبين القراءة المتأنية لرد الزميلين عزي وبوعلي على النقد الموجه "لنظرية الحتمية القيمية"، وجود ميل قوي للدفاع المستميت عن النظرية، وهو أمر مقبول ومشروع، بل واجب ومسؤولية أكاديمية وأخلاقية بالنسبة لهما. لكن ما أثار انتباهي حقا هو كون هذا الدفاع غير مؤسس على قاعدة نظرية متينة، ويفتقد للحجج الواضحة والبراهين العلمية الدقيقة. من يقرأ الردين يشعر بعدم التماسك في الخطاب، وعمومية وضبابية في الأفكار، بل وحتى التناقض في المواقف كما بينت بشأن المفاهيم المفتاحية. باعتقادي أن رد أصحاب النظرية تغلب عليه نزعة وثوقية مناهضة ورافضة للنقد، الذي ينبغي أن يكون المحك في مثل هذه الحالة.
بهذا الخصوص، يقسم الأستاذ عزي النقد الموجه للنظرية إلى نوعين؛ نقد من الخارج ونقد من الداخل. يقصد بالأول النقد الصادر ممن لم يقرؤوا النظرية بتروٍ، وبالذات الرافضين لها، وبالنوع الثاني نقد المهتمين والمتعاطفين معها، الذين طلبوا توضيحات وشروحا (عزي ص 2-3). واضح أن عزي لم يكن ليستسيغ النقد غير المؤسس على قراءة متأنية، ومعه حق فيما ذهب، وقد وضح شروط النقد البناء. لكن رده يكشف أيضا عن خطر نزعة وثوقية رافضة للنقد غير المتعاطف مع النظرية بالأساس. يبدو ذلك واضحا عند حديثه عن فكرة التعاطف Empathy ودورها في صياغة النقد البناء (ص 3). بل يذهب أبعد من ذلك بربطه فهم موضوع معين بمدى استعداد "المتلقي" لتقبله، ويضرب مثلا بآية قرآنية تربط بين التقوى وفهم القرآن (ص 3). وأزعم مرة أخرى أن عزي يجانبه الصواب فيما ذهب إليه. فاستخدام مصطلح "المتلقي" فيه حمولة دلالية وإيحاءات لا تغيب عين الملاحظ الدقيق، وهي سلبية الذات العارفة التي تتلقى المعرفة من مصادر خارجية، وليس لها دور في إنتاج تلك المعرفة.
في المقابل يشيد عزي بالنقد من الداخل المعتمد على قراءة متأنية وعلى فكرة التعاطف، ويعتبرها أكاديمية وبناءة، لكونها تقدم إضافات معينة، وهذا موقف لا غبار عليه. لكن هذا الصنف من النقد الذي يُعتد به ويدعو له عزي ورفاقه، ويعتبرونه الأولى بالاعتراف والترحيب والتتويج بألقاب الموضوعية والأكاديمية، يواجه تحديات وتهما عديدة ليس أقلها شأنا تهمة الانحياز. لذلك أرى في قبول عزي للنقد الداخلي والترحيب به على حساب النقد الخارجي مجازفة ومنزلقا نحو الوثوقثة. إذ بالرغم من قيمة فكرة "التعاطف" وأهميتها كأداة منهجية ظهرت مع تيار التأويل في الفلسفة الألمانية المثالية المناهضة للوضعية، بخاصة مع فيلهام ديلثي W. Dilthey ، ثم ذاعت مع تيار الظاهرتية  Phenomenologyعلى يد إدموند هوسرل E. Husserl ، وبعده ماكس فيبر M. Weber مؤسس علم اجتماع الفهم، ثم ألفريد شوتز   A. Schütz مؤسس علم الاجتماع الظاهراتي.[3] فإن الفكرة لها حدود، وعليها قيود ومآخذ عدة، ليس أقلها أنها مصدر للانحياز بسبب غياب المسافة النقدية اللازمة مع الموضوع، وهو التحيز الذي أسماه السوسيولوجيون "عمى المسافة." فضلا عن خطر الانزلاق نحو الذاتية التي لا تقبل الخضوع لأية معايير موضوعية قابلة للتداول، وتسمح بالتحقق من صدق ادعاءات الخطاب المنتج.
 لذلك فإن التقليل من شأن النقد الخارجي، والتخلص منه بسرعة بتهمة الجهل؛ "الناس أعداءً بما جهلوا"، والقول صراحة، أو ضمنا أنه غالبا ما يكون مصدره الجهل، أو التهجم أو الرفض غير المؤسس، أو مجرد الكره، أو الرغبة في مخالفة النظرية...الخ. تصور يجانبه الصواب، لأنه يعبر عن موقف غير منطقي، ونزعة وثوقية رافضة للنقد. بل أكثر من ذلك، فإن عبارة "النقد من الخارج ذاتها" غير موفقة، لأن ما يعنيه النقاد عادة بهذه العبارة هو النقد الصادر عن أطر مرجعية مخالفة، وخلفيات نظرية مغايرة للأنموذج المعرفي، أو النظرية موضوع النقد. لكن في الواقع ذلك هو النقد الحقيقي الذي يضع النظرية أمام التحدي وعلى محك الاختبار، ليقيس قدرتها على تصحيح مسارها، أو مواجهة مآلها المحتوم، أي السقوط والزوال. ذلك ما تؤكده أعمال مشاهير الإبستمولوجيين وفلاسفة العلوم على اختلاف مرجعياتهم الفكرية منذ غاستون باشلار G. Bachelard صاحب العوائق الابستمولوجية والقطيعات الابتسمولوجية، مرورا بالفيلسوف الأمريكي توماس كون T. Kuhn صاحب مفهوم الأنموذج، Paradigm في عمله الشهير "بنية الثورات العلمية"، ولويس ألتوسير  L. Althusser ، وكارل بوبرK. Popper  ، وميشال فوكو M. Foucault،  وبول  فايربند P. Fayerabend، وصولا إلى بيار بورديو P. Bourdieu ، ويورغن هابرمس  J. Habermas  وأنطوني غيدنز A. Giddens، ولدينا في العالم العربي أسماء لامعة في الفكر النقدي أمثال؛ محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، والطيب التيزيني، وحسن حنفي، وحسين مروة، وعبد الله العروي.
هناك مسائل أخرى على غاية الأهمية مثل تلك التي تتعلق بطبيعة الخطاب العلمي في مقابل الخطاب الديني والفلسفي، وكذلك إصرار عزي ومن معه على إقحام القرآن في الخطاب العلمي والاستشهاد بالآيات القرآنية كونها حجة نهائية ومطلقة على صحة ما يقولون، برغم أن هذه الممارسة مثار خلاف، ومصدر جدل كبير بين الباحثين. يقول عزي:
"وتاريخيا، فإن الفلسفة والدين والعلم والنظريات مجالات معيارية بالدرجة الأولى. فالفلسفة الإغريقية انشغلت بالأساس بقيمة العدل والأديان كتب قيمة (من القيم) تناولت وأجابت على قصور الانسان في إدراك سر وجوده "أفحسبتم أنما خلقانكم عبثا" (5) ومهمته في عبادة الخالق "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (6) وبوصف هذا الانسان خليفة الله في الأرض. وقد قال النورسي في ذلك أن "من وجد الله فقد وجد كل شيء،"  و"كل شيء يبدأ من الله سبحانه وينتهي إليه." (عزي، ص 4 )

يدعي عزي أن الفلسفة والدين والعلم مجالات معيارية بالأساس، والأحرى به القول أنها "خطابات معيارية" لأننا بصدد الحديث عن المعارف المنتجة، وليس عن المجالات أو الحقول التي أنتجت فيها. لكن حتى بعد تصحيح هذه الصياغة، فإننا نزعم أن هذا الجمع غير مبرر ولا أساس له، ويناقض السيرورة التاريخية لتشكيل العلوم الحديثة التي ابتعدت عن الدين وعن الفلسفة تدريجيا لتشكل لنفسها حقولا ومناهج محددة. ونزعم أنه إذا كان الدين والفلسفة فعلا معارف تغطي مجالات معيارية وأخلاقية بامتياز، فإن الأمر يختلف إلى حد بعيد بالنسبة للعلم. رغم أنه لا يخلو تماما من الاعتبارات والنزعات المعيارية التي تنازل عنها لصالح الدين والفلسفة والسياسة. ذلك ما سعى إلى تحقيقه مفكرو عصر النهضة وعصر الأنوار في أروبا ودفعوا ثمنا باهضا لإنجازه. وقد حاول ماكس فيبر توضيح هذه المسألة في عمله المشهور "العالم والسياسي". “Le savant et le politique” الذي أضح فيه أن مهمة العلم هي دراسة الواقع كما هو كائن فعلا؟ (رغم الجدل بشأن هذه القضية بين تيارات ابستمولوجية متنافسة). أما السياسة (وهي تطبيقات العلم)، فتطرح المسائل المعيارية والانشغالات الأخلاقية كما تفعل الفلسفة، ويعبر عنها الدين بقوة أكثر من باقي المعارف والخطابات، وهي جميعها تهتم بما ينبغي أن يكون. وقد حذر فيبر العالم من غواية لبس القبعتين معا؛ أي الخلط بين العلم والسياسة لأن ذلك سيكون لا محالة على حساب مصداقيته كعالم. إذا كان الخطر كذلك بالنسبة للخلط بين العلم والسياسية، فكيف سيكون الوضع إذا ما خلطنا بين العلم والدين؟ النتيجة الكارثية نعرفها جميعا لأنها مجسدة أمامنا في الفوضى العارمة، والاضطرابات الخطيرة التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، التي أعتقد أنها تعود في جزء كبير منها إلى سوء التقدير الناتج عن خلط العلم بالدين. وأعتقد أن ذلك بالضبط ما فعله أصحاب "نظرية الحتمية القيمية"، وإن كانوا ليسوا الوحيدين الذين انساقوا وراء هذا الإغراء.
تحتل القيم موقعا مركزيا في هذه النظرية كما يفصح عن ذلك اسمها، ولا يُخفي أصحاب النظرية أن القيم المقصودة هي القيم الدينية بالذات، التي هي مصدر كل القيم والأخلاق، وهو ما دفع أصحاب النظرية إلى توظيف النص القرآني بكثافة لدعم أطروحاتهم (عزي الفقرة السابقة ص 4). لكن عزي ورفاقه يعلمون دون شك أن القرآن ليس خطابا علميا. ذلك أن هذا النص القرآني بالنسبة للباحثين في علوم الإنسان والمجتمع لا يعتبر خطابا علميا، ولا مصدرا لمعرفة علمية، لأنه لا يقدم إجابات عن الأسئلة الملحة اليوم، بل يشكل بالأحرى موضوعا للدراسة. بتلك الصفة، فهو بحاجة للفهم، والتفسير بوضعه في سياقه التاريخي ومقصده العام. بدلا من استعماله بالمطلق كما هو جار الآن، وتوظيفه كبرهان علمي مطلق في حقيقته، اعتمادا على قدسيته لدى الناس. إن ذلك أمرا مرفوضا لعدة أسباب، ليس أقلها أن النص القرآني لم يكن ولن يكون خطابا علميا بالمعنى المتداول بيننا اليوم، بل خطاب قيمي ومعياري يقوم على الإيمان والاعتقاد. خطاب لم يخضع أصلا للقواعد المنهجية التي تحكم السيرورة التاريخية لإنتاج الخطاب العلمي، والتي تحظى بالاتفاق النسبي لدى الأسرة العلمية في كل فترة زمنية. وبالتالي، لا يمكن إخضاعه لشروط ومعايير اختبار الصدقية، وقواعد التحقق من الادعاء بالعلمية التي يخضع لها الخطاب العلمي لزوما.
 إن توظيف النص القرآني بهذا الشكل لهو من باب اللجوء إلى حجة القوة، بديلا عن قوة الحجة. وهو أمر مرفوض لأسباب عدة في مقدمتها؛ المقابلة في ساحة الجدل والنقاش بين نصين ليسا من جنس واحد. الأول نص مقدس مصدره يتجاوز البشر في عالمهم هذا، والثاني من إنتاج البشر في عالمهم هذا. هذه الممارسة لا شك ستغلق باب الحوار منذ الوهلة الأولى، ولا تترك فرصة للنقاش العلمي. نحن هنا أمام قضية على غاية الأهمية، بحاجة إلى نقاش علمي رصين، بعيدا عن الأفكار المسبقة والأفكار الجاهزة التي أنتجتها مختلف الأيديولوجيات وفي مقدمتها الأيديولوجيا الدينية عبر مراحل طويلة من تطور المجتمعات الإسلامية، ثم عممتها ورسختها حركات الإسلام السياسي، ودعاوى أسلمة العلم بما في ذلك العلوم الإنسانية والاجتماعية.
للدفاع عن موقفه، يدعي عزي أن الفصل بين الدين والعلم ظاهرة غريبة، مرتبط بهيمنة الكنسية في أوروبا، وبالتالي خاصة بالحضارة الغربية، ولم تعرفها الحضارات الأخرى؟ ( عزي، ص 5) . ربما تشكل هذه الفكرة فرضية مهمة بحاجة إلى بحث معمق، لكن جميع الدلائل الموجودة بحوزتنا اليوم تؤكد أن العلم الحديث، بصرف النظر عن مدى صحة هذه المقولة أو خطئها، سار في هذا الاتجاه منذ ما يزيد عن خمسة قرون من الزمن، منذ انبثاق عصر النهضة، وحركة الإصلاح الديني، وبعد هما عصر الأنوار في أوروبا، وأصبح الفصل هو السمة المميزة للعلاقة بين العلم والدين. وقد تبنت بقية الأمم والحضارات الأخرى هذه المسار، وبالتالي فهو أمر واقع لا يمكن تجاهله أو القول بعدم وجوده. فضلا عن ذلك ينبغي التنويه بالتناقض الموجود بين الخطابين العلمي والديني، كونهما من طبيعتين مختلفتين في شروط إنتاجهما، كما في الوظائف والأدوار التي يقومان بها. من هذا المنطلق، ولمزيد من التفصيل أحيل  القارئ للحديث عن مفهوم الأيديولوجيا وعلاقتها بالعلم في نهاية هذه الورقة.    
باختصار، تواجه "نظرية الحتمية القيمية" معضلتان رئيسيتان؛ تتعلق المعضلة الأولى بالاعتماد على أنموذج التفسير السببي. هذا النموذج المثير، في أفضل الأحوال، لكثير من الشكوك حول مصداقيته نظرا لصعوبة تطبيقه في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وفي أسوأ الأحوال، يواجه رفضا صريحا من قطاع عريض من المفكرين في حقل فلسفة العلوم والابستمولوجيا الذين يعتبرونه غير لائق، وغير ملائم لتفسير موضوعات العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي تعتمد بدلا من ذلك على أنموذج مخالف، قوامه الفهم والتأويل. أما المعضلة الثانية، فهي وقوع هذه النظرية في محضور أكبر باعتمادها على فكرة الحتمية متخذة من القيم المتغير التفسيري الوحيد. بهذه الطريقة لا تكتفي النظرية بارتكاب خطأ جسيم واحد، بل تذهب أبعد من ذلك باعتمادها موقفا اختزاليا  يبسط الواقع المعقد، ولا يأخذ منه سوى بعدا واحدا متجاهلا بقية الأبعاد المتداخلة والمتضافرة، رافضة بذلك فرص التفسير متعدد العوامل الذي يعبر أفضل عن الواقع المركب. 
 تعتمد النظرية على فكرة "الحتمية القيمية" التي مفادها أن القيم وحدها هي مفتاح تفسير وفهم السلوك في مجال الإعلام والاتصال. يثير هذا الموقف (القيمي) الذي تأسست عليه النظرية تساؤلات عديدة من جهة  الطبيعة الأنطوولوجية للقيم. فالقيم في هذه النظرية، حسب أصحابها، ليست في التحليل النهائي سوى قيما روحية، بل دينية بالتحديد، مصدرها بالأساس النص المقدس في الدين الإسلامي، أي القرآن. لقد أوضحت كيف أن هذا الطرح يمثل منزلقا خطيرا، إذ يُخرج دراسة الممارسة الاجتماعية عموما، وعملية الاتصال برمتها وبكل تعقيداتها، من مجالها الأصلي، أعني بذلك سيرورة التفاعل الاجتماعي في المجتمع. إذ يتم انتزاع عملية الاتصال من فضاء الممارسات الاجتماعية التي يقوم بها فاعلون حقيقيون، لهم حضور فعلي في الواقع الاجتماعي، موجودون في مواقف حقيقية، يواجهون رهانات فعلية، ومنتجون للمعاني والدلالات. بدلا من ذلك، تفترض النظرية أن تلك القيم تنبت في حقلٍ متسامٍ ومتجاوزٍ للفاعلين وواقعهم، في فضاء المقدس الذي تكون فيه القيم ناجزة، ومنتجة في غياب هؤلاء الفاعلين ودون مشاركتهم طبعا، لأنهم ليسوا سوى متلقين لها، ربما يستفيدون منها، ويستخدمونها في حياتهم. لكنهم بالتأكيد ليسوا من ينتجها، ولا من يصيغها، لأنها تجد جذورها في عالم يتجاوزهم. عالم يسمو عن الواقع الذي يعيشون فيه، عالم يتعدى هذا العالم السفلي حيث يوجد الفاعلون التاريخيون. فالقيم الدينية تصاغ في مجال ليس لديهم امتياز الولوج إليه، والمشاركة فيه سوى باعتبارهم متلقين، لا فاعلين منتجين. ما يعني في نهاية التحليل أن هذه القيم ثابتة، غير متحولة، مطلقة وليست نسبية، ناجزة وجاهزة، وليست تاريخية. غني عن القول أننا، بهذه الطريقة، نفاجئ أنفسنا في رحاب حقل غير حقل العلم، بل في عالم الأفكار المطلقة التي لا تخضع لحكم البشر واختياراتهم، ولا تتشكل بفعل ممارساتهم الاجتماعية، وقدراتهم الإدراكية، وبواسطة أدواتهم المعرفية، كونها أنتجت في عالم غير عالمهم.
فيما يخصني لم تكن "هذه النظرية"، تمثل مصدر قلق إطلاقا، لأن حدودها واضحة، ومواطن قصورها جلية لكل متمرس على النظريات السوسيولوجية عموما، ونظريات الاتصال والاعلام جزءً منها (وقد حاولت تقديم فكرة مختصرة عن ذلك). لكن المشكلة الحقيقية كانت في تلك الهالة غير الطبيعية التي صنعتها مجموعة من المعجبين بها (أصدقاء، وزملاء وطلاب عبد الرحمن عزي). هؤلاء الذين نظموا ندوات، ونشروا مقالات، وألفوا كتبا في شرح النظرية (في الحقيقة لامتداحها وليس لشرحها، لأنهم- على حد علمي- لم يتجرؤوا على نقد أي جزءٍ منها، أو الاعتراض على ما جاء فيها)، بل وصل الأمر ببعضهم درجة قصوى من الامتثالية والتبجيل، فاعتبروا فكر عبد الرحمن عزي سابقا لعصره، يتجاوز فهم المحيطين به، ومن ثم عدم قدرتهم على نقد هذه النظرية، لأنها بالطبع تفوق مستوى فهمهم، وإمكانياتهم الإدراكية، وتتجاوز قدراتهم العقلية والإبداعية (حديث أستاذ الإعلام علي قسايسية أحد زملاء عبد الرحمن عزي، منشور في مدونة "عن كثب").
أن يتم تداول مثل هذه العبارات، وتنشر في المدونات، وعلى وسائط التواصل الاجتماعي، ويصدح بها في الندوات، وتتصدر صفحات الكتب والمجلات، دون نقد وتمحيص، أو مراجعة وتدقيق، تلكم هي المأساة التي تعني بمختصر الكلام اغتيال العقل، ووأد التفكير النقدي. الأدهى طبعا أن يقوم بذلك أساتذة متخصصون في علوم الاتصال، ودكاترة في الإعلام، من نخبة المثقفين في الجامعات. لكن الفاجعة الأكبر في هذا المنزلق الخطير هي أن الهدف الأول لهذه المواقف الامتداحية، والخطب الامتثالية كان بالأساس جمهور الطلاب في الجامعات، من خلال المحاضرات والملتقيات، والرسائل الجامعية التي تناولت النظرية في الغالب الأعم بمقاربات غير نقدية. ما يعني في نهاية التحليل أننا لسنا بصدد ممارسة علمية، بقدر ما نحن في مواجهة ممارسات طقوسية تعيد للأذهان الفكر القروسطي حيث لا يجرؤُ الأتباع سوى على تقديم واجب الاحترام والتبجيل لأفكار العلامة الذي لا تقبل آراؤه المساءلة، ولا تخضع للنقد!

·        مدونة عن كثب:  من خلال النقاش الدائر حول النظرية، برزت بوضوح مسألة الايديولوجيا وعلاقتها بالعلم، كيف تنظرون إلى هذه العلاقة؟

أ.د العياشي عنصر:  الأيديولوجيا مفهوم له تاريخ طويل ومعقد، قد لا يتسع المجال هنا للتوقف كثيرا عند هذه المسألة، خاصة وأنه نال حظه من الشرح والمناقشة في أعمال كثيرة ومنذ فترة طويلة.  لكن مع ذلك هناك حاجة إلى تقديم نبذة بسيطة عن أصل المفهوم والمعاني والدلالات التي اكتسبها خلال مسيرة تطوره منذ القرن الثامن عشر. فيما يخصني، كتبت مقالة علمية مطولة حول هذا الموضوع في بداية الثمانينات من القرن الماضي بعنوان "علم الاجتماع: الأيديولوجيا والموضوعية" نُشرت حينها في مجلة علمية محكمة[4]، ثم ظهرت بعد ذلك كفصل في كتابي "علم الظواهر الاجتماعية."[5]
الأيديولوجيا كما هو معلوم Ideologie لفظة إغريقية مركبة من جزئين هماIdea   أي الفكرة، و Logie أي العلم، وبالتالي فاللفظة تعني "علم الأفكار"، وكان أول من صاغها الفيلسوف الفرنسي أنطوان ديستوت دو تراسي Antoine Destutt de Tracy سنة 1796.[6]  وقد اكتسب المفهوم المعنى السلبي الحديث لدى استعماله من طرف نابليون بونابرت للتهكم على خصومه السياسيين من الفلاسفة ذوي النزعة الجمهورية الليبرالية أمثال كبانيس Cabanis وكندورسيه Condorcet وديستوت دو تراسي Tracy Destutt de وآخرين غيرهم[7].ولعل أفضل عمل يؤرخ للمعنى الأصلي للمفهوم هو عمل المؤرخ الفرنسي هيبولايت تاين  Hippolyte Taine الذي لا يربط المفهوم بعمل دي ستوت دو تراسي فحسب، بل بالسياق التاريخي والفكري الذي عاش فيه بما في ذلك تأثير الفيلسوفين الانكليزي جون لوك  Locke والفرنسي  كونديلاك Condillac  الذين يكون دو تراسي قد اطلع على أعمالهما وهو بالسجن خلال الثورة الفرنسية[8].  لكن مفهوم الأيديولوجيا تخلص تدريجيا من الإيحاءات السلبية التي أصبغها عليه نابليون بونابرت، ليصبح مفهوما حياديا يُستعمل في وصف وتحليل مختلف الآراء السياسية، ووجهات نظر الجماعات الاجتماعية المختلفة.[9]
          حديثا، اكتسب مفهوم الأيديولوجيا معنى محددا يشير إلى كونها منظومة من الأفكار المتماسكة منطقيا تقوم على مجموعة مسلمات أساسية حول الواقع، بصرف النظر عن مدى زيفها أو صدقها،  وتعبيرها فعلا عن ذلك الواقع. تكتسب الأفكار صفة الأيديولوجيا بالمعنى المحدد أعلاه، من خلال الممارسات والاختيارات الذاتية المستمرة التي يقوم بها الأفراد. كما تؤكد الدراسات الحديثة حول هذا المفهوم، أن الأيديولوجيات ليست بالضرورة صحيحة أو خاطئة. ذلك ما يعبر عنه التعريف الذي قدمه مانفريد ستاغر  Manfred Steger مع وبول جيمس  Paul James حيث يجري التأكيد على صفتين رئيسيتين هما؛ التنميط وادعاءات الحقيقة الطارئة. إذ يقولان "الأيديولوجيات هي مجموعات نمطية من الأفكار والمفاهيم المشبعة معياريا، بما في ذلك تمثلات محددة لعلاقات القوة. وتساعد هذه الخرائط المفهومية الأفراد على الإبحار في تعقيدات عالمهم السياسي حاملة بذات الوقت ادعاءات بامتلاكها الحقيقة المطلقة."[10]
أما ويلارد مولينز Willard A. Mullins فيميز الأيديولوجيا عن التصورات المثالية "اليوتوبيا" والأسطورة التاريخية ويقول أنها تتكون من أربع خصائص أساسية هي:[11]
1.     تمتلك سلطة على عملية الإدراك.
2.     تكون قادرة على توجيه عملية التقييم عند الأفراد.
3.     توفر القدرة على التوجيه نحو الفعل.
4.     تتميز بالتماسك المنطقي.
من جهته، يدعو الفيلسوف الألماني كريستيان دانكر Christian Duncker في عمله الموسوم "التفكير النقدي بمفهوم الأيديولوجيا" (2006)، إلى منح هذا المفهوم أهمية خاصة وربطه بالانشغالات الابستيمولوجية والتاريخية. ما جعله يحدد مفهوم الأيديولوجيا باعتباره نسقا من التمثلات التي تدًعي صراحة أو ضمنا امتلاك الحقيقة المطلقة. عرف المفهوم حياة جديدة مع كارل ماركس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ ربطه بطبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي والصراع الطبقي. واستخدمه في معنيين مختلفين وإن كانا متكاملين؛ يرتبط الأول بآليات عمل نظام الإنتاج الرأسمالي الذي يفترض أن القيمة متأصلة في السلعة ذاتها، بدلا من كونها موجودة في سيرورة العمل المنتج وقوة العمل، وهي العملية التي أطلق عليها ماركس "بُدية السلعة" Commodity Fetishism. تلك كانت المسلمة التي اعتبرت بمثابة حجر الزاوية في الاقتصادي السياسي الانكليزي في معظمه، وهي بالذات من جعلت ماركس يعتبر جزءً كبيرا من أفكار رواد الاقتصاد السياسي ذي طبيعة أيديولوجية. أي معارضا ومناقضا للعلم، كونه يشوه الحقيقة، ويعطي انطباعا خاطئا عن واقع عمل آليات النظام الرأسمالي. من جهة أخرى، ربط ماركس الأيديولوجيا على المستوى السياسي بالصراع الطبقي، معتبرا أياها عبارة عن مجموعة الأفكار التي تشكل النسق الفكري العام الذي يبرر النظام الرأسمالي، وعملية الاستغلال الذي تتعرض له الطبقة الشغيلة من قبل البرجوازية.[12] وهو ما دفع ماركس للقول "أن الطبقة التي بحوزتها وسائل الإنتاج المادي، تمتلك بنفس الوقت السيطرة على وسائل الإنتاج الفكري."[13] لعل ذلك ما جعل مفكرين آخرين غيره يعتقدون أن مفهوم الأيديولوجيا يشكل جزءً ضرورياً من العمل المؤسساتي، ولا غنى عنه لعملية الاندماج الاجتماعي.[14] وهو ذات الوضع الذي جعل جورج لوكاتش George Lukács يعتبر الأيديولوجيا بمثابة انعكاس للوعي الطبقي الخاص بالطبقة السائدة، والذي يتم تعميمه على بقية الطبقات في المجتمع. في حين رأى فيها أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci  مصدر الهيمنة الثقافية التي تفسر وقوع الطبقة الشغيلة في وعي زائف حول مصالحها الحيوية. تلك هي التصورات التي جعلت المقولة الماركسية الشهيرة "أن الأيديولوجيا تعمل بمثابة أداة لإعادة الإنتاج الاجتماعي" ذات قيمة نظرية لعلم اجتماع المعرفة عموما، وبالذات لدى عدد معتبر من المنظرين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية، أمثال كارل مانهايم، Karl Mannheim، ودانيال بال Daniel Bell، ويورغن هابرمسJürgen Habermas ، وبيار بورديو Pierre Bourdieu، وأنطوني غيدنز  Anthony Giddensوغيرهم من المفكرين المعاصرين الذين يؤكدون على منوال كارل مانهايم أن الأيديولوجيا هي نتاج الحياة الاجتماعية. كما أضاف رواد مدرسة فرانكفورت النقدية إلى النظرية العامة للأيديولوجيا بعداً آخر ممثلا في التحليل النفسي بتأكيدهم أن الأيديولوجيا تتضمن إلى جانب الأفكار الواعية، أفكارا غير واعية.
          باختصار، يمكن القول أن الأيديولوجيا خطاب يستجيب لمتطلبات غير تلك التي يخضع لها الخطاب العلمي. إذ بينما تسود الأيديولوجيا الطبيعة المعيارية؛ أي خطاب يتجه أساسا إلى تحديد ما ينبغي أن يكون بالنظر إلى مجموعة القيم والمعايير الأخلاقية أو السياسية التي تؤطره. خطاب لا يهتم بقواعد صارمة أثناء عملية إنتاجه، كما لا يلتزم بمعايير تختبر صدقيته، بل على العكس غالبا ما يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، دون تقديم أدنى دليل على ذلك سوى اعتقاد الناس فيه.  فإن العلم يخضع لقواعد منهجية خلال عملية إنتاجه، ويلتزم بحد أدنى من معايير الضبط التي تحظى بالاتفاق النسبي لدى الأسرة العلمية، ويلتزم بقواعد لاختبار صدق ادعاءاته، ولا يدعي بعد كل ذلك امتلاكه الحقيقة المطلقة، بل يقبل النقد والتعديل، أو الاستبدال بما هو أجدر لتفسير وفهم الظواهر والوقائع سواء كان ذلك في عالم الطبيعة أو في العالم الاجتماعي.
لكن هذا الاختلاف في طبيعة الخطاب، وفي شروط إنتاجه والتحقق من صدقيته، ومدى ملاءمته للأغراض التي أنتج من أجلها لا تستبعد وجود علاقة بين خطاب الأيديولوجيا والخطاب العلمي. وهي في واقع الحال علاقة جدلية؛ فالطرفان يتكاملان حينا، ويتعارضان حينا آخر، بل وقد يولد الواحد منهما في رحم الآخر. فالأيديولوجيا تمثل موضوع دراسة للعلم، كما يحدث عند اشتغال الباحثين على معارف الحس المشترك، والأساطير الاجتماعية، والقصص الشعبية والعقائد السياسية والدينية. وفي المقابل، توفر نتائج البحوث العلمية فرصا لصياغة نسق من المعارف المعيارية (الأيديولوجيا) التي تشكل قاعدة لرسم برامج وسياسات اجتماعية. أما الوجه الآخر لهذه العلاقة فيكمن في التعارض القائم بين العلم كخطاب نسبي يعتمد على الوقائع وقابل للاختبار، والأيديولوجيا بما هي منظومة معارف معيارية تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالتالي مجانبة للحقيقة، وربما مشوهة لها بقصد أو عن غير قصد.  يحدث ذلك ضمن فضاءات متنوعة، ومن قبل أطراف متعددة؛ بدءً بممارسات الأفراد العاديين في الحياة اليومية، وصولا إلى المعارف العالِمة التي تنتجها النخب ضمن مؤسسات صناعة الرأي، ومؤسسات صياغة السياسات بما في ذلك الجامعات، ومراكز البحوث، ووسائل الإعلام. بل أن الخطاب العلمي ذاته يتعرض لمخاطر التحول إلى أيديولوجيا حالما يتحول إلى خطاب وثوقي، دغمائي يدعي الصدقية المطلقة، ويرفض النقد، ولا يخضع لقواعد الاختبار والتحقق من مدى ملاءمته على مستوى المعنى (تجسيد وجهات نظر الفاعلين)، وعلى مستوى المبنى (شروط الإنتاج) وعلى مستوى الغاية (المقاصد والأهداف).

·        مدونة عن كثب:  كيف تقيمون البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانية عموما في المنطقة العربية؟ 

أ.د العياشي عنصر: بصراحة، سؤال لا يمكن الإجابة عليه الآن بشكل سليم لأنه يحتاج ببساطة إلى بحث واستقصاء، وجمع بيانات ومعطيات من الجهات العديدة ذات الاختصاص مثل المؤسسات المنتجة للمعارف كالجامعات ومراكز البحوث العلمية، أو تلك المستخدمة لها. ما يمكنني قوله الآن هو مجرد انطباعات عامة مصدرها الخبرة الماضية، واستلهام التجربة بحكم الوظيفة. فالبحث العلمي عموما، وفي مجال علوم الإنسان والمجتمع خصوصا، يواجه صعوبات كبرى، وعوائق عديدة بعضها موضوعية ذات طبيعة هيكلية، وبعضها الآخر ذاتية متعلقة بالخصائص والاتجاهات العامة لمختلف الأطراف التي لها علاقة بعملية البحث، سواء كانوا باحثين، أو ممولين، أو مستفيدين.[15]
كما هو معلوم، لا يحظى البحث العلمي عموما، والاجتماعي بخاصة سوى باهتمام ضئيل من قبل الدول والحكومات العربية، ولا ترصد له سوى ميزانيات ضئيلة جدا، حيث لا تتجاوز 0.2 إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 5 إلى 7 دولار للفرد. في المقابل، تخصص له بلدان متقدمة مثل فنلندا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية حوالي 3% أو أكثر قليلا حسب الحالات، وبمعدل 900 إلى 1100 دولار للفرد. وتأتي إسرائيل مثلا في المرتبة الأولى عالميا برصدها 4.4% إلى 4.5% من إنتاجها المحلي الإجمالي للبحث العلمي، أي بواقع 750 دولار للفرد. الفرق شاسع بين الإنفاق على البحث العلمي في البلاد العربية وغيرها، فهو لا يقل عن 100 ضعف مقارنة مع اسرائيل، وحوالي 150 ضعف مقارنة مع بلدان مثل اليابان وفنلندا.[16] علما أن النسبة الأكبر من الميزانية المخصصة للبحث العلمي في البلاد العربية (80%) تذهب إلى أجور ومكافآت العاملين. بينما يخصص الجزء الأقل للبنية التحتية وللتجهيزات (15%)، والجزء اليسير جدا لتمويل البحوث ذاتها (5%).[17] الشيء المؤكد طبعا، هو أن البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا تحصل سوى على فتات الميزانيات المخصصة للبحوث في حقل العلوم التطبيقية والتكنولوجية.
إلى جانب هذا المؤشر، لا بد من التذكير بالمواقف العدائية حينا، والأداتية-الانتهازية حينا آخر للأنظمة السياسية والحكومات العربية تجاه البحث في مجال العلوم الاجتماعية. فالنظرة السائدة لديها نحو البحث العلمي عموما، كما تفصح الميزانية، تعكس عدم الاهتمام واللامبالاة السائدة. وتطال هذه النظرة العلوم الإنسانية والاجتماعية أكثر من غيرها. لأن التخلف، ومن ثم التنمية في تصور الحكومات العربية مسألة تقنية بالأساس، وهو ما يفسر قلة الاهتمام، أو غيابه بالعلوم الاجتماعية. بل أكثر من ذلك وجود نظرة عدائية تقليدية تجاه هذه العلوم. وإن كانت تلك النظرة لا تمثل سمة مميزة للبلدان العربية وحدها، فإنها أقوى وأشد لديها من غيرها بالنظر لطبيعة الأنظمة السياسية فيها، وموقفها من العلم والعلماء. لعل ذلك ما يفسر الوضع المزري الذي توجد فيه الجامعات العربية، ومراكز البحوث التي تؤكد الإحصائيات المتوفرة أن جلها تابع للجامعات.[18] تعاني هذه المراكز على قلتها من سوء التمويل، وضعف التجهيز، وسوء الإدارة، وسيطرة البيروقراطية، وغياب حرية التعبير والنقد. كما يتعرض الباحثون فيها للتهميش حينا، ويتم توظيفهم كأدوات لدعم شرعية الأنظمة، وتلميع صورة الحكام والحكومات أحيانا أخرى.
ذات الوضع تعبر عنه مؤشرات أخرى عديدة مثل، ضعف حركة النشر والترجمة حيث يعتبر إنتاج البلدان العربية الأضعف قياسا مع بلدان متوسطة مثل إيران، وكوريا، والبرازيل والأرجنتين، وإسبانيا واليونان وغيرها، دون مقارنتها بالبلدان الأكثر تقدما[19]. وتنعكس هذه الصورة بوضوح أيضا في ترتيب الجامعات ومراكز البحوث في البلاد العربية حيث تؤكد معظم الاستطلاعات المنشورة في الآونة الأخيرة ترتيبها في أسفل القائمة[20]. مؤشر آخر مهم  يعبر عن هذا الوضع المتخلف يتمثل في هجرة الكفاءات العربية نحو البلدان المتقدمة، وهي ظاهرة ارتفعت وتيرتها في العقود الأخيرة بحيث أصبحت تشكل نزيفا خطيرا على الموارد البشرية والمادية لهذه البلدان، ومعضلة كبرى في طريق بناء مستقبلها[21].    
إن نجاح البحث العلمي في البلاد العربية بحاجة لتوافر شروط عديدة، لعل أهمها على الإطلاق ثلاثة عناصر رئيسية: توفر المورد البشري المناسب، ممثلا في الباحثين المؤهلين والمتخصصين. فالوضع الراهن يتميز بضعف شديد في هذا الجانب بسبب عوامل عديدة لا نستطيع الاستفاضة فيها هنا، أهمها ضعف عملية التأهيل في الجامعات ومراكز البحوث ذاتها، وعدم توفر بيئة محفزة على البحث، ما يدفع أعدادا متزايدة إلى الاكتفاء بممارسة التعليم أو الهجرة خارج البلاد العربية. الشرط الأساسي الثاني يتمثل في رفع ميزانية قطاع البحث العلمي، والتركيز على تهيئة بنية تحتية قوية وتجهيزها. أما الشرط الثالث والأخير، فيخص ضرورة مراجعة طريقة إدارة هذا القطاع الحيوي، الذي يعاني حاليا من ضعف تأهيل العاملين فيه سواء من الباحثين أو الفنيين والمساعدين، فضلا عن التعقيدات والروتين البيروقراطي الذي يقيد العاملين ويستهلك الجزء الأكبر من طاقتهم ووقتهم، ويمنعهم من تحقيق أهدافهم.[22]



                                                          العياشي عنصر،
أستاذ وباحث في علم الاجتماع
عمل بعدة جامعات ومراكز بحوث عربية وأجنبية
          الدوحــــة؛ في 20 يوليو 2014


[1]  Rob Stones “Determinism”  in , Bryan S, Turner  ed. (2006)   The Cambridge Dictionary of Sociology. Cambridge University Press. Cambridge, UK, pp 132-133


[2] أنظر مقالي، "الإبستمولوجيا وخصوصية العلوم الإنسانية: عناصر أولية للتفكير"، نشر أول مرة في مجلة دراسات عربية، العدد 7/8 ، السنة 31، ماي- جوان 1995، ص ص 79-65 ثم نشر لاحقا على شكل فصل في كتابي؛ نحو علم اجتماع نقدي، ديوان المطبوعات الجامعية 1999


[3] أنظر تفاصيل عن هذه الإسهامات النظرية في كتابي، علم الظواهر الاجتماعية ، دار طلاس للنشر والتوزيع، دمشق 1990.، وهو على حد علمي من الأعمال الأولى التي تعاملت مع هذه التيارات في العالم العربي عموما، وبالتأكيد الأول في الجزائر. 
[4] العياشي عنصر، "علم الاجتماع: الأيديولوجيا والموضوعية" مجلة سيرتا للعلوم الاجتماعية، جامعة قسنطينة، عدد 8-9، سنة 1982،  ص ص، 90-55
[5] العياشي عنصر، علم الظواهر الاجتماعية ، منشورات دار طلاس للنشر والتوزيع، دمشق 1990
    [6]  Kennedy, Emmet (Jul–Sep 1979). "Ideology" from Destutt De Tracy to Marx". Journal of the History of  Ideas 40 (3): 353–368. doi:10.2307/2709242JSTOR 2709242
[7] Mannheim, Karl (1936): Ideology and Utopia, Routledge, London 2nd.  footnote in the chapter The problem of "false consciousness".
[8] Hippolyte Taine (1875):  The Origins of Contemporary France,
[9] Eagleton, Terry (1991):  Ideology. An introduction, Verso, p. 2
[10] James, Paul; Steger, Manfred (2010). Globalization and Culture, Vol. 4: Ideologies of Globalism. London: Sage Publications.
[11] Mullins, Willard A. (1972) "On the Concept of Ideology in Political Science." The American Political Science Review. American Political Science Association.
[12] Tucker, Robert C (1978). The Marx-Engels Reader, W. W. Norton & Company, p. 3, & p. 154
[13] Marx, Karl (1978a). "The Civil War in France", The Marx-Engels Reader 2nd ed. New York: W.W. Norton & Company.

[14] Susan Silbey, "Ideology" at Cambridge Dictionary of Sociology. Op. cit
[15] هناك أعمال كثيرة حول هذا الموضوع لعل أحدثها الملتقى الدولي الذي نظمته الجمعية العربية لعلم الاجتماع ومركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية crasc  بوهران سنة 2012 حول وضعية علم الاجتماع في البلدان العربي تدريسا وبحثا. بالنسبة لي سبق لي أن نشرت عددا من المقالات في هذا الشأن مثل، "أزمة أم غياب علم الاجتماع في الجزائر" و" وضعية البحث السوسيولوجي في الجامعة ألجزائرية و"أي غــد لعلم الاجتماع في الجزائر؟" نشرت في مجلات علمية ، ثم نشر المقالين الأولين في كتابي نجو علم اجتماع نقدي،  الجزائر، 1999، ونشرالمقال الثالث في  كتابي،  سوسيولوجيا الديمقراطية والتمرد في الجزائر، القاهرة 1999.

[16] أنظر؛ مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات http://www.alzaytouna.net/permalink/5421.html

 وكذلك مادة البحث العلمي بين إسرائيل والعرب، موقع شبكة الجزيرة: 
             
 [17]  هذه النسب تعبر عن حالة  البحث في مصر، ولعلها أهم دولة عربية في مجال البحوث، جريدة الأهرام، 27 ديسمبر 2013، السنة 138، العدد 46407 أنظر الموقع http://www.ahram.org.eg/NewsQ/249932.aspx

[18] تبين الإحصائيات المتوفرة في العالم العربي هنالك حوالي 380 باحث لكل مليون شخص عربي وهذا على اعتبار ان حاملي شهادات الدكتوراه والمدرسين في الجامعات محسوبون كباحثين. بينما تبلغ تلك النسبة حوالي 4,000 باحث لكل مليون انسان في الولايات المتحدة الامريكية. ويبلغ هذا المؤشر حوالي 499 باحث لكل مليون شخص في الدول النامية، و 3,598 باحث لكل مليون شخص في الدول المتقدمة. أنظر؛ مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات http://www.alzaytouna.net/permalink/5421.html

[19] تبين الإحصائيات المتوفرة أن البلدان العربية تنشر  سنويا حوالي 10,000 كتاب فيما بلغ العدد في اسبانيا مثلا 86,800 سنة 2008، وبلغ في ألمانيا 96,000 كتاب سنة 2007، وفي الصين 136,226 في 2007 وفي الولايات المتحدة الأمريكية 172,000 في 2005 وفي بريطانيا 206,000 عام 2005 أنظر،  مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات   http://www.alzaytouna.net/permalink/5421.html

[20] هناك هيئات عديدة تقوم بهذه العملية، وتأتي جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية الأولى عربيا وفي المرتبة 288 عالميا، بينما أول جامعة جزائرية هي جامعة قسنطينة في المرتبة 52 عربيا، والمرتبة 2439 عالميا حسب واحدة من هذه الهيئات، أنظر http://www.webometrics.info/en/arab_world، ولعل ترتيب هذه الهيئة هو الأكثر تساهلا حسب المتخصصين.

[21] تؤكد الإحصائيات المتوفرة أن مائة ألف يهاجرون سنويا منهم 50% أطباء، و23% مهندسين، و15% من العلماء، أنظر؛ جامعة الدول العربية، منظمة العمل العربية، التقرير الإقليمي لهجرة العمالة العربية، 2008
[22] جريدة الأهرام، المرجع السابق،