هكذا ينظر عبد الرحمن عزي إلى "نقد نظرية الحتمية القيمية" وهذا رده عليه

وردت الى الاستاذ عبد الرحمن عزي مجموعة من الاسئلة تشترك في موضوع: ما هي أبرز الانتقادات الموجهة لنظرية الحتمية القيمية في الإعلام؟ فأجاب على موقعه الخاص (موقع نظرية الحتميةالقيمية)، كمايلي:
تاريخيا، فإن الفلسفة والدين والعلم والنظريات مجالات معيارية بالدرجة الأولى.
أنشغل بعملية إنتاج مفاهيم متجددة تعين على "كشف" وليس "اكتشاف" الحقائق الكامنة في طبيعة الرسالة الإعلامية من زاوية قربها من أو ابتعادها عن القيمة وأثر ذلك على البنيات والرواسب الثقافية في المنطقة العربية والإسلامية  إضافة إلى إبراز الجوانب الانسانية "العالمية" في هذا الطرح "القيمي" و"الأخلاقي."  وأخصص وقتا "مقبولا" بالمقارنة للرد على "النقد" عندما يكون مشروعا.  وتأتي أغلبية الأسئلة الموجهة إلي في شكل أسئلة تطلب المزيد من الشرح والتوضيح، وذلك يمثل الأولوية بالنسبة لي إذ أن هذه الأسئلة تدل على اهتمام بالغ بهذا الطرح ولا شك أن السائلين من الطلبة والباحثين "الشباب" يجدون في هذا التنظير ما يمس "كائنهم الأخلاقي" وخصوصية واقعهم الاجتماعي والثقافي وتفاعلهم مع الآخر(العولمة)، ويكون هذا العامل الأساس في استمرارية هذا الانشغال والأسئلة الواردة... ولا أزعم أنني قدمت إجابات كافية ووافية لكل الأسئلة ولكنني متيقن أنني طرحت الأفكار الملائمة في دراسة الظاهرة الإعلامية محليا و في سياق العولمة...   
  

ولم أتلقى في الحقيقة نقدا كثيرا حول النظرية وإنما يمكن تقسيم ما يمكن اعتباره نقدا إلى صنفين:

أولا:  النقد من الخارج (من خارج النظرية) 

 وهو من صنف "من جهل شيئا عداه" أي نقد ليس مبنيا على قراءة تذكر لنصوص النظرية كالقول أن هذه ليست نظرية أو أن هذا الطرح غير مقبول أو غير مجدي أو غير ملائم أو لا أرغب فيه أو أكرهه وما شابه، وهذا النقد لا يحتاج إلى الرد لأن صاحبه يجهل الموضوع أو قد يحمل سوء نية مسبقة قائمة على الرفض من أجل الرفض أو عدم التسامح مع من يحمل أفكارا مغايرة أو قد يكون بدوافع أيديولوجية أو تكون  من حالة نفسية مرضية (بفتح الراء) وما شابه، الخ.
ومن المعروف أكاديميا أن النقد بالمطلق ليس له قيمة معرفية وإنما النقد يكون في العلاقة مع فكرة محددة وفي السياق الذي وردت فيه بناء على قراءة متأنية ونزيهة.  والحاصل أن قيم النقد وأدب الحوار عندنا ليست متطورة وشروطه غير متوفرة كثيرا ومنها: أن يكون النقد أخلاقيا، أي

أ) يكون مبنيا على قراءة ومعرفة كافية بالموضوع محل النقد. وفي الآية الكريمة: "ولا تقف ما ليس لك له علم." (1)

ب) أن يكون أمينا في تلك القراءة وليس من نوع "تحريف الكلم عن مواضعه."

ج) أن يكون بنائيا، أي يسهم في بناء المعرفة وتطويرها وليس من نوع الذي يسعى إلى "الهدم" ومن باب "خالف تعرف" دون تقديم البديل.  

د) أن يكون نزيها، بأن يهدف إلى إثراء المعرفة وليس الإساءة إلى الآخر أو تحقيق مآرب شخصية.. 
والنقد في مجمله أمر سهل، إذ يمكن لأي شخص أن ينتقد أي شيء. أما البناء فلا يقدر عليه إلا القلة. فإذا كثر النقد قل البناء. وبالطبع فإن النقد البناء مطلوب ومشروع.
ويذهب باحثون متمرسون أمثال الفيلسوف الأمريكي  "سانتيانا"  (George Santayana)إلى القول بأن النقد الحقيقي يتطلب أولا التعاطف مع الموضوع محل النقد، وبدونه يغيب الفهم وتكون النتيجة "سوء الفهم." ويضرب لذلك مثلا بنفسه أنه عندما حاول دراسة "الظاهرتية" نقديا اتخذ منهجا نزيها، أي فهم الظاهرتية من الداخل ولم يكن ذلك ممكنا إلا بنوع من التعاطف(empathy)   مع النظرية. ويضيف، وعندما سلكت هذا النهج أصبحت ظاهرتيا، يقول في ذلك "لم أفهم الظاهرتية إلا بعدما أصبحت ظاهرتيا."  فالفرد لا يقدر على فهم شيء يحمل عنه أفكارا "نمطية مسبقة" أو يكرهه أو لا يرغب فيه، وذلك ما نقرأه في النص القرآني من ربط الهدي بالتقوى في قوله تعالي  "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين،" ((2 أي أن هناك شروطا لدى المتلقي (التقوى)  حتى تستقر الفكرة لديه ويتقبلها (هدي الرسالة). وبتعبير آخر، فإن القيمة تحتاج إلى صفاء القلب أولا.       

ثانيا: النقد من الداخل (من داخل النظرية)

 وهو من الذين قرأوا نصوص النظرية أو أغلبها و تبنيت لهم جوانب قاصرة  أو غير بينة في النظرية فكانت إسهاماتهم وتساؤلاتهم متميزة  ومن زاوية أكاديمية بنائية إن صح هذا التعبير. ويدخل في ذلك ملاحظات "شفوية" أو "مكتوبة" من طرف باحثين وكتاب أمثال د. السعيد بومعيزة، د. نصير بوعلي (3) ، د. زهير إحدادن، د. محمود قالندر، د. أحمد عبدلي د. علي قسايسية،   د. رقية بوسنان وأ. محمد عبد الكريم وأ. باديس لونيس وآخرين (انظر مثلا مدونة الأستاذ باديس لونيس التي فتحتبقبل فترة نقاشا حول النظرية). ونذكر من هذه الانتقادات:
* أن تسمية "الحتمية" جبرية وتقلل من حرية تناول المواضيع بكيفيات "مغايرة." وقد أجاب د. نصير بوعلي بإسهاب على هذه النقطة ووضح ذلك أيضا أ. عبد الله قاسم. ويمكن أن نضيف بالقول أن الحتمية تعني اعتبار القيمة المحرك الأساس في فهم الظاهرة الإعلامية بمكوناتها (المرسل، الرسالة، الوسيلة، المتلقي) وتأثيراتها على البنيات الاجتماعية والثقافية في سياق حضاري معين. فالمرسل يحتاج إلى "خلفية و"تكوين "قيمي أخلاقي" حتى تكون ممارسته الإعلامية قيمية أخلاقية، فكل قرار يتخذه المرسل أو المؤسسة الإعلامية في مقاربة الواقع في أصله قرار ذو طبيعة قيمية أخلاقية. أما الرسالة فأصلها كلمة قيمة: "الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء." (4) والملتقي يتفاعل نظريا – وعندما يكون واقعه سويا – بناء على مرجعية قيمية أخلاقية. ويكون تأثير الاعلام على المكون الاجتماعي الثقافي بناء على أثر تلك الوسائل على النظام الأخلاقي والحضاري ككل.
* أن أهمية هذه التسمية تكمن في لفت الانتباه إلى متغير أساس مستقل (القيمة) وبدون هذه التسمية تتحول القيمة إلى متغير إضافي أو تابع، فالواقع من يحتاج إلى الارتقاء للقيمة حتما وبالضرورة،  ولا تخضع القيمة إلى تشوهات الواقع. فالقيمة تتجاوز حدود الزمان والجغرافيا، أي أنها مستقلة على المتغيرات الظرفية وتتخذ أبعادا إنسانية "عالمية" مثلما أسلفنا.   
* ولو دققنا في النظريات الكبرى من نوع  (macro)  فإن أغلبها يحمل نزعة حتمية أي يركز على متغير ثقيل (وهو ما يميزها) مثلما شرح ذلك د. نصير بوعلي. فالظاهرتية مثلا تركز بالأساس على المعاني الذاتية التي يحملها الفرد حول تجربته، أي حتمية ذاتية إن صح هذا التعبير ولا تنشغل كثيرا بالمتغيرات الأخرى، والنقدية تركز بالأساس على البنية الاقتصادية، أي حتمية اقتصادية. ويندر أن تجد نظرية تتعامل مع كل المتغيرات بالتساوي وإلا لم تعد نظرية وإنما عملية جمع و صف وتكديس، وذلك أمر سهل في متناول الخاصة والعامة...   
* ومثلما هو معروف في "أدبيات العلاقات العامة والتسويق،" فإن الفكرة عندما تنتشر تكتسب إرثا مرجعيا وتصبح "علامة مسجلة" يفضل الإبقاء عليها حفاظا على ذاك الإرث حتى وإن تطلب الأمر التحديث والتطوير في جوانبها الفرعية . ومن ثم فلا ينبغي في نظرنا التوقف أكثر من اللازم عند الاسم لأنه اسم مسجل نظريا والمهم مضمون النظرية...
* أن النظرية معيارية بينما "العلم" يدرس الواقع دون غيره. إن القول بأن العلم "يدرس الواقع دون الاعتبارات القيمية والأخلاقية" موقف معياري بدوره وليس موقف "محايد" على ما يبدو في الظاهر. فلو قلنا أنه على مهندس "القنابل المتفجرة" أن يركز على إنتاج تلك الأدوات (الواقع) دون الاعتبارات "القيمية الأخلاقية"  المترتبة على الدمار الذي ستحدثه تلك الأدوات على الانسان فإن هذا الموقف يعد معياريا، أي يستثني البعد الانساني الأخلاقي في إنتاج تلك الأدوات. وتاريخيا، فإن الفلسفة والدين والعلم والنظريات مجالات معيارية بالدرجة الأولى. فالفلسفة الإغريقية انشغلت بالأساس بقيمة العدل والأديان كتب قيمة (من القيم) تناولت وأجابت على قصور الانسان في إدراك سر وجوده "أفحسبتم أنما خلقانكم عبثا" (5) ومهمته في عبادة الخالق "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (6) وبوصف هذا الانسان خليفة الله في الأرض. و قد قال النورسي في ذلك أن "من وجد الله فقد وجد كل شيء،"  و"كل شيء يبدأ من الله سبحانه وينتهي إليه." (7) أما الفصل بين الدين والعلم فظاهرة غربية مردها الصراع "المعروف"  بين الكنيسة والحقائق العلمية التي بدأ العقل يدرسها بعيدا عن هذا القالب العقائدي "الجامد" (إن صح هذا التعبير) و لم يحدث هذا الصراع في الحضارات الأخرى. وقد تلونت العلوم الانسانية والاجتماعية بهذا الاعتبار فأقصت المعيارية (لأسبابها المنطقية الظرفية) وحولت الانسان إما إلى كائن نفسي غرائري (علم النفس) أو اجتماعي (علم الاجتماع) أو اقتصادي (علم الاقتصاد) أو سياسي (علم السياسة) أو لساني (علم الألسنية)، الخ. بينما الانسان كائن أخلاقي بالدرجة الأولى ولكن سلوكياته ذات أبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، الخ. ومن ثم أمكن القول أن القيم والأخلاق أساس أي علم. والحاصل أن حيز هذه الإجابة لا يسمح بالإسهاب في النقد الموجه إلى العلوم الانسانية والاجتماعية (الغربية أساسا) من المفكرين الغربيين أنفسهم و لا بأس من ذكر أربعة منهم (اثنان من المحدثين كان لي فرصة التعامل مع أفكارهم عن قرب) لأغراض التوضيح فحسب. فقد تحدث "ميشال فوكو" عن مفهوم "القطيعة الأبستمولوجيا" في التاريخ  وافترض أن هناك مراحل تاريخية تولد قطائع ابستمولوجية في طبيعة المعرفة واعتبر أن بداية ظهور العلوم الانسانية في الغرب (القرن التاسع عشر) قطيعة ابستمولوجية إذ تحول الانسان لأول مرة في التاريخ إلى "موضوع دراسة" في جوانبه المذكورة أعلاه وتساءل عما إذا كان ممكنا أن يكون الانسان باحثا(object)   وموضوع بحث(subject) في نفس الوقت. أما "ماكس فيبر"  فقد بين أن السلوك الاقتصادي المتمثل في الرأسمالية (أي تأسيس الرأسمال واستثماره وترشيد استهلاكه) إنما هو انعكاس لمفاهيم الديانة المسيحية في شقها "البروتستانتي" وخاصة مفهومي النداء (calling) والقدرية (predestination)  وذلك في مؤلفه المعروف "الأخلاقيات البروتستانتية وروح الرأسمالية" (8).  ويرى "هالموت واغنر" المؤسس الثاني (مع زمليه ألفريد شوتز) للظاهرتية الاجتماعية في آخر كتبه "ظاهرتية الوعي وسوسيولوجية الحياة اليومية" (9) أن الغرب يكون قد استنزف كل ما يمكن قوله عقلانيا عن "وعي الانسان،" وعليه توجب الأمر التوجه شرقا (الحضارة الشرقية)  بحثا عن الجانب الروحي الكامن في هذا الوعي. أما كريستنز كليفورد "المتخصص الوحيد حاليا" في أخلاقيات الإعلام العالمية فيرى أن النظريات الأخلاقية الغربية قلصت الانسان في جانبه العقلاني البحت والمستقل وأقصت امتداد الانسان مع الآخر وأبعدت الجانب الروحي في فهم الجانب الأخلاقي في الممارسة الإعلامية. (10) وللعلم، فإن كتابه  المشترك مع آخرين بعنوان (Ethical Communication)  يتضمن فصلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يعني أن السنة النبوية أصبحت جزءا حتى وإن كان يسيرا من أدبيات الإعلام الأكاديمية في الغرب...                               
* أن الواقع معقد ويصعب معالجته بمتغير واحد. يمكن القول أن الواقع ليس معقدا وإنما مركبا، فهناك مستويات من التحليل لأي ظاهرة، فلو اتخذنا منهجا استقرائيا  (inductive) بدأنا بالجزء (الملوس والمحسوس) وهو الافتراض الأساس في المنهج الإمبريقي (الذي فقد الكثير من المصداقية في العلوم الانسانية)   ثم يأتي المستوى العقلي (العقل) في التفسير والتحليل والمقارنة وأخيرا يأتي مستوى القيمة المرجعية، أي المجال القيمى الأخلاقي والروحي المستمد من الدين في هذه الحالة. ويكون هذا المستوى الأخير المتغير الأساس والثقيل. ولو اتخذنا منهجا استنباطيا(deductive)  بقينا في نفس الطرح وقلبنا المعادلة فقط. فالقيمة تعلو في تفسير الظواهر (ولا يعلى عليها). وتأتي المتغيرات الأخرى مكملة وتابعة وظرفية ومؤقتة إلى حين. ولو فرضنا أن الواقع معقد، فإن القيمة سبقت الواقع فتصبح المرجع في تفسير هذا التعقد. وهذا المعنى نقرأه في الآية  الكريمة "ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم." (11) أي أن قساوة قلوبهم من أنفسهم وتعقدها (إن صح هذا التعبير) إنما من ابتعادهم عن القيمة وليس لمتغيرات أخرى إضافية قد تكون حاضرة كأن يكون هؤلاء قد انغمسوا في قضايا الحياة الدنيا أو شغلتهم أموالهم (البعد الاقتصادي)  وأهليهم (البعد الاجتماعي)، الخ.
* أما أسباب النظرية وأهدافها فهي مذكورة في تقديم كتابنا "دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز" (12) وكتابنا "نظرية الحتمية القيمة في الإعلام" (13)

    الهوامش:

1.     سورة الإسراء، الآية 36
2.     البقرة، 2.
3.     د. نصير بوعلي، مفاهيم نظرية الحتمية القيمية في الإعلام عبد الرحمن عزي: مقاربة نقدية، المستقبل العربي، العدد 422، نيسان، 2014. 
4.     إبراهيم، 24.
5.     المؤمنون، 115.
6.     الذاريات، 56.
7.     انظر دراستنا: د. عبد الرحمن عزي، "أخلاقيات إعلامية غي الرؤية النورسية النورانية،" مجلة الحكمة، العدد 5، مارس 2011.
8.     Protestant Ethics and the Spirit of Capitalism
9.     Phenomenology of Consciousness and Sociology of the Lifeworld
انظر في ذلك أيضا:
Azzi Abderrahmane, “Phenomenological Sociology: On Wagner’s Reflections on Schutz, Annales de  L’Universite d’Alger, No. 6 (2) , 1991-1992.
10. من كتبه:

Responsibility in Mass Communication

Interpretive Essays 

Teaching Ethics in Journalism Education 

Good News: Social Ethics and the Press
Communication Ethics and Universal Values
Moral Engagement in Public Life: Theorists for Contemporary Ethics. 
Normative Theories of the Media 
Handbook of Mass Media Ethics 
Ethical Communication: Five Moral Stances in Human Dialogue
Ethics for Public Communication
Media Ethics: Cases and Moral Reasoning 
Communication Theories in a Multicultural World
11.الحديد، 16.
12. د. عبد الرحمن عزي، دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثالثة ، 2013.

13. د. عبد الرحمن عزي،  نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، الدار التونسية للنشر، تونس، 2011

المصدر: موقع نظرية الحتمية القيمية