أسمى شروط النقد أن يكون أصيلا وعن حسن نية وليس مستعارا؛ بل أسهب صاحب المقال في الإساءة والشتم والكلام الجارح والبذيء


أ.د نصير بوعلي

تتشرف مدونة "عن كثب" في أن تنشر حصريا هذه المساهمة المهمة والفعالة للأستاذ الدكتور "نصير بوعلي" عضو هيئة التدريس بكلية الاتصال بجامعة الشارقة، والرقم الثاني في الجماعة العلمية لنظرية الحتمية القيمية بعد عبد الرحمن عزي، وهو المعروف بانه أول من أطلق على المنتجات الفكرية والعلمية لعزي اسم نظرية الحتمية القيمية في الإعلام.
تأتي هذه المساهمة العلمية في ظل النقاش الدائر هذه الأيام حول مقال المدعو "بن سالم رشيد" الذي نشر أواخر شهر مارس بالموقع الالكتروني لمجلة الحوار المتمدن.

د. نصير بوعلي

واحد من أتباع نظرية الحتمية القيمية في الإعلام

نشر شخص يبدو باسم مستعار مقالا نقديا تحت عنوان استفهامي " هل تحولت علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية إلى ساحة للشعوذة والهذيان؟" ، في مدونة إلكترونية غير معروفة الهوية (1) . العنوان مثير ويريد من خلاله صاحب المقال "إثارة الاهتمام" ( Interest) بدل الحديث عن ما هو "مهم" ( Important)في كتابات الدكتور عزي عبد الرحمن. المقال يحوي إساءة مباشرة لشخص الدكتور عبد الرحمن عزي و أتباع نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ، من خلال كم كبير من الألفاظ البذيئة والجارحة التي وظّفها في مقاله ليسيء بها إلى أتباع نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ، وكأن هناك عداوة بين هؤلاء وكاتب المقال . فهل يعقل أن من تُعجبه فكرة ويكتب عنها هو من "المريدين!"  على حد قول صاحب المقال . وأنا لا أعتقد حسب السياق الاستهزائي والساخر والمتهكَّم الذي ورد فيه المقال أن الكاتب بهذا المصطلح يقصد بالمريدين طلبة وأنصار ومناصري نظرية الدكتور عزي عبد الرحمن. وكلمة "مريديه" تعني في الفكر الصوفي الإسلامي الأنصار أو الأتباع وهذا المعنى الضمني للمصطلح ، لكن الكاتب استخدم المعنى العامي الدارج الذي لا يخرج عن مبنى المصطلح، يقصد به أشياء أخرى مادام يصِفُهم بشكل جارح من خلال تسميتهم بالصبية والأقزام و المشعوذين والمخصيين وغير المتعلِّمين ، إلخ ... في هذه الحالة يعتبر ماك لوهان هو الآخر من المريدين لأنه كان يعتمد على أستاذه هارولد إنس ، وأن الكاتب الفرنسي "غاز نوف" ( Gazeneve) من المريدين لأنه حوّل أفكار ماك لوهان إلى اللغة الفرنسية  . وهل "روزا لغسمبورغ" يعتبر من المريدين لأنه كان يدافع عن أفكار كارل ماركس وشكَّل من خلالها مدرسة جديدة أصبحت تسمى الماركسية الجديدة ؟ وهل تلامذة فرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure) من المريدين عندما جمعوا كتابات أستاذهم ونشروها في كتاب ( Elements de L inguistique Generale) وهل الذي ترجمها إلى اللغة العربية ( عناصر اللسانيات العامة ) كان من المريدين ؟ وهل يعتبر طلبة "جورج ميد" (George Mead) مؤسس نظرية التفاعلية الرمزية الذين قاموا بعمل ممتاز يتمثل في نشر محاضراته في كتاب باسمه بعنوان " العقل والذات والمجتمع (Mind ,Self and Society) من المريدين ؟! كذلك فإن تطور النظرية الوظيفية التي أسسها بارسونس ( Talcot Parsons) لم تتوقف عند كتاباته ولكنها امتدت إلى مجالات عدة ومنها الإعلام على يد أحد طلابه مرتن (Robert Merton) الذي ساهم مع لازر سفيلد (Paul Lazersfeld) وآخرين في تطوير نظرية التدفق الإعلامي على مرحلتين فهل هؤلاء أيضا كانوا من المريدين أي "الطمَّاعين" أو أصحاب مصالح ضيقة كما يُفهم من كلام صاحب المقال النقدي ؟ وفي الجزائر فإن أفكار مالك بن نبي لم تتوقف معه بل تطورت على أيدي طلبته العديدين ، فهؤلاء كلهم ( من الجزائر و ماليزيا ولبنان وسوريا ومصر ...) أتباع فكر مالك بن نبي من المريدين (أي الطمَّاعين أو كانت لهم مصلحة) حسب صاحب المقال !؟ وليعلم صاحب المقال أن الكلمة في بعض الأحيان تُفهم وتُؤول حسب السياق العام الذي وردت فيه وهذا معروف في علم السيميولوجيا  .
يبدو أن صاحب المقال النقدي لم يطّلع على معظم كتابات الدكتور عزي ومساهمات أتباع نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ، واعتمد بنسبة معتبرة على الحوار الصحفي الذي أجراه الدكتور السعيد بومعيزة مع الدكتور عزي عبد الرحمن على حلقتين ، ونشرته في كتابي قراءات في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام الصادر سنة 2009 .
أولا أقول أن الحوار الصحفي هو نوع أو جنس إعلامي، وليس بحثا علميًّا قد نستند إليه في بعض المعطيات ولا نحكم من خلاله على الأفكار بالجملة. والحوار الصحفي قد يسوِّق لأفكار عامة بمدلولات عامة ، كما أن الحوار عبارة عن رأي قد يختزل معلومات كثيرة في فقرات صغيرة. فلا يحق منهجيا أن نصطاد من أقوال العلماء من خلال أقاويل شفهية قد ترد في سياقات مختلفة دون الرجوع إلى المصادر التي يتحدث من خلالها صاحب الحديث وإلا كان الأمر أشبه بمن يقرأ نصف آية" ولا تقربوا الصلاة .. "!
كما أن الكتابة بالاسم المستعار وبدون هوية من حيث المنصب والمؤسسة عمل غير أخلاقي، وما يترتب على العمل غير الأخلاقي فهو في حكم الباطل بالنتيجة ، أي " ما بني على باطل فهو باطل." ولولا الالتزام بسنة التدافع بين الخير والشر لما أجبت أنا شخصيا صاحب المقال . فما حسب صاحب المقال أن يقرأ قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إنْ جَاءكُمْ فاسِقٌ بنبإ فتبينُوا أنْ تُصِيبُوا قومًا بجهالةٍ فتصبحُوا على مَا فَعلتُم نادمينَ " ( الحجرات ،5) وفي قول الله تعالى " ( يَا أيُّها الذين آمَنُوا اجْتَنِبُوا كثيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعضَ الظَّنِّ إثمٌ ، ولا تجسَّسُوا ولاَ يغتَبْ بَّعضُكُم بعضًا ، أيُحبُّ أَحَدُكُمْ أن يَأكُلَ لحمَ أخيهِ ميتًا فَكَرهتمُوهُ واتَّقُوا الله إنَّ اللهَ توَّابٌ رحيمٌ .) ( الحجرات ،12)
يقول صاحب المقال: أن الأستاذ عزي عبد الرحمن بكتابته لمقال عن الإعلام الإسلامي أواخر الثمانينيات كان ذلك طمعا ( هنا يستخدم المصطلح على حقيقته، أي أن المريد هو الطمَّاع ) في منصب سام أو لضمان لقمة العيش...
 صحيح كتب الدكتور عبد الرحمن عزي في أواخر الثمانينيات دراسة في الإعلام الإسلامي تحت عنوان "الإعلام الإسلامي: تعثر الرسالة في عصر الوسيلة" وساهم بهذه الدراسة في ملتقى الفكر الإسلامي الثالث والعشرون الذي انعقد تحت شعار نحو مجتمع إسلامي معاصر.أثارت هذه الدراسة التي ألقيت كمحاضرة جدلا بين الدكتور عبد الرحمن عزي و المرحوم الشيخ د.رمضان البوطي حول بعض المفاهيم التي كانت تبدو للشيخ مُتحيِّزة أو غامِضَة كمفهوم :الإعلام شبه العلماني والإعلام ذو الطبيعة الإسلامية  ...أما قول صاحب الألفاظ المسيئة  أن الدكتور عزي عبد الرحمن كان ينوي بدراسته عن الإعلام الإسلامي ركوب موجة الإسلام السياسي للاقتراب من السلطة خلال تلك المرحلة من تاريخ الجزائر طمعًا (مريدًا أي من الفعل أراد يريد) في منصب سام أو ( لضمان لقمة العيش ! غريب هذا الكلام )، فهل صاحب المقال دخل في نفسية الرجل وعرف ماذا كان ينوي وكيف كان يفكِّر!؟ ربما يعتبر هذا تخصص جديد ظهر في علم النفس يسمى " سيكولوجيا النوايا" أو قراءة ما بالأنفس ! وهل هناك دليل يثبت قول صاحب المقال ؟ وطالما أن صاحب المقال يدَّعي معرفة نوايا الأشخاص ويستطيع أن يشق قلوب الأفراد ، فقد فتح الباب للدكتور عزي و لأتباع النظرية أن يقرؤوا نواياه بدورهم كيفما شاءوا . وليعلم صاحب المقال أننا  نسمي هذا الانتقال المرحلي من فكرة إلى أخرى مغايرة بالارتحال غير المتصل في الفكر . وهذا يحدث دوما ولنا في ذلك أمثلة كثيرة عبر التاريخ لا يتسع المقام هنا لذكرها.   
يقول صاحب المقال أن ما كتبه الدكتور عزي عبد الرحمن في الإعلام لحد الآن هو عبارة عن تهويمات متناقضة...
 هذه العبارة تحوي الكثير من الجهل  يحاول من خلالها صاحبها الانتقاص من مجهودات الدكتور عزي عبد الرحمن، فهل قرأ صاحب المقال كل دراسات وأبحاث الدكتور عزي عبد الرحمن وهي تزيد عن 50 دراسة في مجال وسائل الإعلام الجماهيرية وفي العلاقات العامة وتكنولوجيا الاتصال ، وفي التكوين الإعلامي ، وفي نظريات الاتصال وفي المناهج الإعلامية ، وفي الفكر الاجتماعي المعاصر إلخ ... وأزيد من 15 كتابا من عدة دور نشر عربية وأمريكية، وهل توغّل صاحب المقال في مفاهيم هذه الدراسات. فقوله أن ما كتب عزي من دراسات هو تهويمات متناقضة، مجرد رأي اختزالي وحكم غير علمي يكشف عن حقد دفين يملء قلب هذا الشخص.    
يقول صاحب المقال : يشبّه أتباع نظرية الحتمية القيمية عبد الرحمن عزي بمارشال ماك لوهان ، ويقول أيضا بل أن بعضهم يراه أعظم من ماك لوهان ... ( والمقصد هو أنا من هذا الكلام )
 صحيح أنا أول من قارن بين فكر عبد الرحمن عزي وفكر ماك لوهان ، بالغتين العربية والفرنسية ثم جاءت بعد ذلك العديد من الدراسات والأبحاث  وقام أصحابها بنفس المقارنة ، وكتب الصحفي الكندي  عبد الكريم هاشم ( من أصول عربية ) دراسة في نفس الإطار باللّغة الإنجليزية ، وظهرت مؤخرا دراسة شبيهة من  الأستاذ بداني فؤاد من جامعة سعيدة في دورية محكمة تابعة لجامعة الوادي يقارن فيها بين الرجلين باستخدام أداة التضاد الثنائي ( Binary Opposition) تحت عنوان : " حتمية ماك لوهان لفهم قيمية عزي عبد الرحمن" . المقارنة التي أجريتها بين الباحثين "عبد الرحمن عزي" و" مارشال ماك لوهان "،هي في الحقيقة مقارنة بين الحتمية التقنية الإعلامية المنتسبة إلى  مارشال ماكلوهان والحتمية القيمية الإعلامية المنتسبة إلى عبد الرحمن عزي فهناك –في اعتقادي –نقطة وصل بينهما،هي في تصديهما للأزمة المرجعية المعروفة في نظريات الاتصال .الأول أي ماك لوهان في الستينيات من القرن الفارط والثاني أي عزي عبد الرحمن في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، والهدف من المقارنة باللغة الفرنسية هو لإعطاء صدى أكبر لنظرية عزي عبد الرحمن مثل ما فعل الباحث الفرنسي غاز نوفgazeneve)   ) عندما قدم قراءة لـ:ماك لوهان سمحت بتوسيع دائرة فهمه خارج لغته الأصلية "الانجليزية" . فأين الإشكال عندما نقارن بين باحث غَربيٍّ وباحث عَربيٍّ ، فصاحب المقال المسيء يعاني عقدة النقص من الآخر المختلف عنَّا أي الغرب ، نحن لم نشبِّه عزي بماك لوهان ( أين وجد هذا الكلام ! ) قلنا فقط من باب التأويل الظاهراتي (الذي يحتمل الصح أو الخطأ ) أن كلاهما معياريًّا في تفسير الظاهرة الإعلامية الأول من خلال الوسيلة والثاني من خلال القيمة . الأول من خلال مقولته ( عنوان كتاب ) The Medium is the Message  والثاني أي عزي عبد الرحمن تتبعه وتلازمه المقولة التالية في جل كتاباته The Message is the Value  . ولماذا لا يكون لدينا نحن العرب في يوم من الأيام باحث عربي أو مسلم أعظم من الباحثين الغربيين !؟  ألا يعلم صاحب المقال أن هؤلاء نقلت عنهم أوربا الفلسفة والعلوم والرياضيات والطب أمثال ابن سينا والخوارزمي والرازي وابن خلدون وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية . فإبن النفيس ولدت فكرته في بيئة ميتة لم يكتب لها القبول ولا الرواج من أبناء جلدته ، حتى جاء " هارف" بعد مدة من الزمن فأحياها وهي الآن تنسب إليه  ! من أين جاءت هذه المفردات في بعض الأدبيات الفرنسية ( Etre Geographique) و(Etre Civilisationel) و(Etre Temporel) أليست هي من بناة أفكار مالك بن نبي ، الترابط بين الحضارة والتراب والزمن ، وقد يكون هذا تناصا أيضا .
ألم يقرأ صاحب النقد نصوص المفكر حسن حنفي في كتابه "علم الاستغراب" عندما هاجم فيه أصحاب الفكر الامتثالي الذين لا يؤمنون بإنتاج المعرفة ولا يعرفون بأن لكل ثقافة موضوع وخصوصية وبداية ونهاية ، مهما كانت هذه الثقافة . فصاحب المقال ينظر للثقافة الغربية ( الفرنسية على الخصوص ) على أساس أنها مصدر دوما لثقافتنا... و بدوري أقول له ولغيره حاولوا مرة واحدة أن تنظروا إلى الثقافة الغربية كموضوع له خصوصية وله مصير وله نهاية وستجدون عيوب هذه الثقافة  مثل ما أوجدها المفكر حسن حنفي  وقبله المفكر  محمد عابد الجابري رحمه الله  في كتاباته الأولى حول المسائل التراثية ومثل ما يريد الدكتور عبد الرحمن عزي أن يعمل نوعا من القطيعة المعرفية ( Rupture Epistemologique) على مستوى النظرية والمفاهيم في علوم الإعلام والاتصال  ؟     
 يتساءل صاحب المقال مستهزئا هل يوجد شيء يسمى الفكر الإعلامي وإن أوجده عزي بحكم أنه علامة فما المقصود به؟.. وهو يقصد أن لا وجود لفكر إعلامي قيمي على الإطلاق. ويستدل بالمنحى المعرفي الإبستمي للإعلام والاتصال الذي يدعي بأنه هو فقط الذي يعرف أصحابه ! ...
نعم هناك شيء يسمى الفكر الإعلامي ، كما أن هناك شيء يسمى الفكر الاقتصادي ، والفكر الاجتماعي والفكر الانتربولوجي إلخ .  يعتقد هؤلاء أن الإعلامي لا يفكر وأن التفكير حكر على علماء الاجتماع ( مع احترامنا الكامل لعلماء الاجتماع) ، وبالمناسبة الدكتور عزي حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع الإعلامي ، وهو فرع من فروع علوم الإعلام والاتصال وليس فرعا من فروع علم الاجتماع رغم تداخل الاختصاصات ... إن ربط الأستاذ عبد الرحمن عزي أكاديميا بعلم الاجتماع دون الإعلام فهو تشويه وافتراء رغم اعتزازنا بكل العلوم المساندة كالفلسفة والشريعة وعلم الاجتماع واللغويات والسيميولوجيا وكُلها مترابطة وتسعى إلى الكشف عن الحقائق .
يقول أبو حيان التوحيدي إن الفكر  مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم وهو عمل من أعمال القلوب المحبة للانتماء ، ويميز محمد عابد الجابري في محاولته لفهم حقيقة الفكر وإدراك كنهه ومن ثم تحديد ملامحه وتوصل إلى تعريف له بين أمرين  ، الأول الفكر كمضمون ومحتوى ، والثاني الفكر كأداة أو منهج لإنتاج الأفكار  . الدكتور عزي عبد الرحمن من القلائل في العالم العربي الذين يوظِّفون الفكر كأداة لإنتاج الأفكار ويوظفون الفكر كرؤية منهجية في دائرة الإعلام. ألا يعلم صاحب المقال أن الإعلام يتحدد وفق طبيعته الفكرية عندما يحدث التفاعل بين الإعلام والمرجعيات التي ينتسب إليها ، فالفكر يوفر للإعلام الزاد والمدد والعطاء ، والفكر يمنح القدرة على النظر والفهم والاستيعاب والتحليل . ) هل اقتنع صاحب المقال لماذا إعلام الفكرة ولماذا الفكر الإعلامي ؟ إن الإعلام الذي أصبح يُدرَّس بجامعة الأمير عبد القادر لا يخرج عن الفلك الفكري القيمي لعبد الرحمن عزي ( ومرجعيات أخرى من الإعلام الإسلامي المتناغم مع الحتمية القيمية ) ،فالحتمية القيمية تعتبر من المتغيرات الرئيسية عند دراسة أية ظاهرة إعلامية في الماضي أو الحاضر في جامعة الأمير عبد القادر ،فعالم القيمة حتمية عند دراسة القائم بالاتصال وعالم القيمة حتمية عند دراسة الرسالة الإعلامية، وفي نظرنا فإن التنمية الحقيقية تستدعي دمج الوسيلة في المنظور الثقافي القيمي للمجتمع ،ومن الضروري في هذه الجامعة معرفة كيف تتجسَّد معالم القيمة في الجمهور المتلقي،و كيف تؤدي القيمة إلى نوع من التأثير الايجابي في المجتمع عندما تقترن بمحتويات وسائل الإعلام ،و كيف يكون التأثير سلبيا عندما لا تتقيد هذه المحتويات بأية قيمة أو تتناقض مع القيمة.  هذه تقريبا هي المحاور الكبرى للبحث في دائرة الفكر الإعلامي على مستوى جامعة الأمير عبد القادر ، التي أنت سَميت طلبتها من أتباع كتابات عزي عبد الرحمن بالصبية  ووصفتهم بالجهلة والأميين ... جامعة الأمير أخرجت علماء الجزائر إلى النور وأصبحت تحتفي بهم سنويا وتمجّد ذكراهم في ملتقيات دورية . فهل صاحب المقال النقدي عمل شيئا لفكر أحمد عروة وهو عالم فريد جاور بشكل متفاعل بين مخرجات الطب وعلاقتها بالإسلام ،  وهل صاحب المقال كتب شيئا عن المفكر الجزائري ( من الأوراس) الظاهراتي الذي توفي وحيدا ( حمودة بن ساعي ) تاركا وراءه مقالات  تدعو إلى القراءة والتأمل . ماذا يساوي بيير بورديو( Pierre Bourdieu) مع هذه الأسماء العملاقة بالنسبة إلينا عندما نأخذ بعين الاعتبار البعد الحضاري الذي ننتمي إليه ، وماذا يساوي بيير ألبير وغازنوف ورولان كارول وأرموند وميشال ماتلار وكلّهم كتبوا في تاريخ الإعلام مع إسهامات المؤرخ الجزائري زهير إحدادن والزبير سيف الإسلام  ومحمد ناصر الذين كتبوا عن تاريخ الإعلام في الجزائر  .( صاحب المقال المسيء يبدو يعيش دائما على هامش التاريخ الثقافي لبلده ويعاني من فقر الدم الحضاري لديه  ) .
 أما قول صاحب المقال أن الدكتور عزي عبد الرحمن لم ينجز بحثا ميدانيا يستند إليه في صياغة ما يسميه نظرية الحتمية القيمية ( بمعنى أنه يعيش في الخيال فقط ) ، فلا يدُّل ذلك إلا عن جهل أو عدم إطلاع ، وأفيده بنماذج من الدراسات الميدانية والتطبيقية التالية التي إعتمد فيها تحليل المضمون أو دراسة الجمهور وكانت من خلالها تتجلى بعض الأفكار حول النظرية من خلال ورود مصطلحات القيمة والوعي الحضاري وأزمة الرسالة والتحدي الحضاري والأطر المرجعية : فقد كان الدكتور عزي عبد الرحمن رئيس مشروع بحث ، أثر الوسائل السمعية البصرية على نظام القيم وأنماط الاستهلاك في المجتمع الريفي ، وهي دراسة ميدانية عن أربع تجمعات سكانية : برج بوعريريج ، غرداية ، تلمسان وسكيكة  ( مجلة بحوث جامعة الجزائر، 1988 ). الأخبار عبر الثقافات ، وهي دراسة مقارنة بين صحيفتين أمريكيتين وصحيفتين جزائريتين ،(مجلة الفكر العربي،1989 )، ثورة التحرير الجزائرية في صحيفة البلاد السعودية ( المجلة العربية للإعلام والاتصال،2009) ،ثقافة الطلبة والوعي الحضاري ووسائل الاتصال ،دراسة حالة الجزائر ( المستقبل العربي،1992 ) ،ثقافة وسائل الاتصال والتحدي الحضاري ( المجلة الجزائرية للاتصال ، 1988) ،أزمة الرسالة الاتصالية في الإعلام المحلي وهي دراسة حالة  ، مسألية البحث عن منهجية بحث إعادة النظر في نمط لاسويل أو النمط الإعلامي الأمريكي ، وهو في اعتقادي أول من انتقد نمط لاسويل من خلال دراسة ميدانية عن بحوث الطلبة على مستوى البكالوريوس والماجستير بمعهد علوم الإعلام والاتصال ، وهناك دراستين تطبيقيتين على غاية من الأهمية في ذلك الوقت أي التسعينيات وهما : التكوين الإعلامي ، التلاقي والتلاغي بين الوسيلة والرسالة ، والتكوين الإعلامي والتصورات المرجعية وهما دراستان الأولى في تحليل مضمون برامج التكوين الإعلامي ، والثانية في دراسة جمهور الطلبة ، والنتيجة أن الدكتور عزي وجد بأن التكوين الإعلامي يخلو من البعد الحضاري ، إما على مستوى البرنامج المعتمد في التكوين أو على مستوى ثقافة الطلبة بصفة عامة . دراسة أخرى على غاية من الأهمية التدفق الإخباري : الأطر المرجعية الثقافية والتجذُّر التاريخي ، وفي هذه الدراسة قدم فيها الدكتور عزي المنظور الحضاري لما كان يسمى في السبعينيات من طرف دول العالم النامي "الدعوة إلى نظام إعلامي جديد " الدعوة التي لم تصمد أمام رياح العولمة  . ودراسات أخرى ميدانية لها علاقة من بعيد بالنظرية مثل الدراسة المقارنة في الشكل والبناء بين صحيفة "البيان الإماراتية" و"الدايلي نيوز"  الأمريكية  (  أنظر كتابه الإعلام والمجتمع رؤية سوسيولوجية مع تطبيقات على المنطقة العربية والإسلامية رفقة الدكتور السعيد بومعيزة ويتضمن العديد من الدراسات الميدانية والتطبيقية ومنها الموضوع الرائد في التوضيع والصحافة وعلم المعني ) . هذا دون الإشارة إلى أتباعه الذين أنجزوا العديد من الدراسات الميدانية والتي كانت ترتكز على القيمة كمرجعية وكمرتكز ومركز رؤية ، مثل دراسة الدكتور السعيد بومعيزة عن استخدامات الشباب لوسائل الاتصال وهي دراسة عن التغيرات في قيم الشباب ، ودراسة محمد عبد الفاتح حمدي عن استخدامات الشباب للإنترنت من المنظور القيمي ، وقبلهم دراستي عن جمهور التلفزيون الفضائي ، وهي دراسة في عادات المشاهدة وأنماطها والتأثيرات المحتملة على قيم الشباب وثقافته ،إلخ ...   
يعتبر مالك بن نبي المؤثر الأساس على الطريقة التي يعالج بها د.عبد الرحمن عزي الظاهرة الإعلامية في المنطقة العربية الإسلامية ؟ في اعتقادي الشخصي وحسب قراءاتي لكتاباته . فإن موارد التأسيس والتأصيل لإعلام الفكرة عند عبد الرحمن عزي تتعدد من مالك بن نبي (في الحضارة ، الإنسان والتراب والزمن) إلى محمد عابد الجابري (في التراث ومنه أخذ المخيال الإعلامي من المخيال الاجتماعي الذي ورد في كتابات الجابري ) إلى ابن رشد (في المنطق الفلسفي البلاغة والإبلاغ والتبليغ) دون أن ننسى ابن طفيل وابن خلدون ( ومنه أخذ الزمن الإعلامي والمكان الإعلامي) وغيرهم الذين تظهر بصماتهم في الطريقة التي يعالج بها د.عبد الرحمن عزي الظاهرة الإعلامية في المنطقة العربية الإسلامية. إن قراءاتي لكتابات محمد عابد الجابري التراثية ( أي الأولى ) في الثمانينيات هي التي بيّنت لي فكر عبد الرحمن عزي ( التشابه في الأسلوب والمنهج المتقارب مع مسائل التراث ) وهي التي دفعتني للتعمق في قراءة كتابات عزي بإسهاب وبحكم الاختصاص ... فأنا عندما كتبت عن فكر عزي عبد الرحمن ليس من خلال الإحالة على كتاباته فقط ،  وإنما من خلال موارد التأسيس للفكر القيمي العربي الإسلامي ومن خلال فكر مالك بن نبي نفسه ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي (في بعض القضايا الفلسفية) وفكر ابن باديس والبشير الإبراهيمي بحكم عملي سابقا في جامعة الأمير عبد القادر. وقد قلت هذا الكلام في سنة 2005 وهو موجود في كتابي " الإعلام والقيم : قراءة في نظرية المفكر الإعلامي الجزائي عبد الرحمن عزي . فصاحب المقال نسي أن هناك شيئا مهمًّا يسمى: "الذاتية الفكرية للباحث". فالإنسان لا يكتب لأنه يريد فقط أن يكتب وإنما الإنسان يريد أن يكتب لأن الهاجس الفكري هو الذي يدفع إلى الكتابة. فأنا والدكتور عزي والدكتور السعيد والمساهمين في النظرية ننتمي إلى نفس الدائرة الفكرية أي موجودون من الداخل وليس خارج ذاتيتنا الفكرية ، وأن النقد الذي نؤمن به هو للبناء وليس للهدم . ثم قول صاحب المقال أننا نكتب عن عزي بشكل لا يخلو من الانبهار والذهول ، وهذا غير صحيح ، نحن ننبهر بالأفكار التي تُملِينا وتعبِّر عن بعدنا الحضاري لا ننبهر بالأشخاص . نحن نملك مرجعية ومرتكز ومركز رؤية ولسنا مبتورين عن أصولنا؟ إن دائرة الأفكار التي يذوب فيها صاحب المقال نَشِفَت مع رياح البريسترويكا   .ونحن عندما نكتب  نميّز بين النقد والقذف ، لقد أخفقت كثيرا عندما شتمت أتباع نظرية الدكتور عزي فأسميتهم ، بالصبيان والمخصيين والمنافحين ، والمشعوذين ، والأميين إلخ . من الكلمات البذيئة والمسيئة التي تتنافى مع المصطلح العلمي ، وينطبق عليك في هذه الحالة قول الشاعر : ولا تحسبَّن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاق .   
ثم كيف عَرَف صاحب المقال أن أتباع عزي عبد الرحمن لا يفرقون بين الدعوة والإعلام ،  حتما لم يطَّلع صاحبنا على دراسة علمية نشرها واحد من أتباع النظرية و التي ميّز فيها بشكل علمي ومنهجي دقيق بين الدعوة والإعلام : التقارب والتباعد بين الموضوع والمنهج ، وأدعوه ، أيضا، إلى قراءة دراسة أخرى من أدبيات النظرية عن التكوين الإعلامي في العلوم الإسلامية : من الدعوة إلى الإعلام الإسلامي أو القيمة كمطلب في التكوين الإعلامي، وفيها تمييز واضح بين المفهومين ، وأدعوه أيضا إلى قراءة دراسة الدكتور عزي عن مناهج الدعوة والإعلام .
يقول صاحب المقال بأن الدكتور عزي ينظر إلى الفكر مفصولا عن الواقع انطلاقا من قول عزي الكمال يكون في عالم الأفكار أما الواقع فيُشوِّهُها ويُلوِّنها بشتى الألوان ... ثم يقول ربما عزي لم يسمع طيلة حياته بوجود أفكار خاطئة أو غير كاملة ... يناقض نفسه وهو لم ينته من كتابة الفقرة . ما معنى عندما يقول عزي : أما الواقع فيشوه الأفكار ويلونها بشتى الألوان . ألا يعني عزي من هذا الكلام ضمنيا أن هناك أفكار خاطئة  أو غير مكتملة . هي تلك التي ترتبط بالواقع فيصبح مرجعا لها ...
إن صاحب المقال لا يدري أن الفكر يتعالى ولكنه يرجع إلى الواقع لمعالجته وإصلاحه . إن المؤتمر الذي سينعقد بحول الله في ديسمبر 2014 بجامعة مستغانم يعالج هذا الموضوع : الفكر الإعلامي بين المعيارية والطرح الإمبريقي . لماذا يتناسى صاحب المقال استخدام عزي عبد الرحمن لمفهومين أساسين في جل دراساته حتى يربط الواقع بالفكر وهما " المجرّد " أي الفكر ( ما ينبغي أن يكون ) والمجسّد ( أي الواقع ) وهما من بناة أفكار مالك بن نبي . الدكتور عزي لا يناقش الأفكار خاطئة أو صحيحة والفكر بالنسبة إليه متصل بالواقع وليس منفصلا عنه . ما معنى عندما يردد عزي في كتاباته العبارة التالية : ما هو كائن ( أي المجسَّد) وما ينبغي أن يكون ( أي المجرَّد  )  .معنى هذا الكلام أن الفكر والواقع متلازمان وأن الأول ( سامي) في خدمة الثاني ( المشوه بفعل عوامل كثيرة ) . وليعلم صاحب المقال أن المنهجية العلمية قد تقتضي في بعض الأحيان من الباحث أن يفصِل بنيويا بين الفكر والواقع ، تماما مثل ذلك الفصل الذي قد يكون بين الدال و والمدلول ، وبين الشيء وماهيته ، وبين المعنى والمبنى ، وبين العقل والنقل . ألا يعلم بما يسمى في أدبيات التراث منهجية الوصل والفصل والتعاقبي والتزامني ( وهذه في دراسة تطور اللغة خاصة ) ، المرحلي والثابت والمرحلي المتصل ( الذي قد يشكل نظرية ) والمرحلي المنفصل ( الذي قد لا يشكل نظرية ) ... أدعوه إلى قراءة وتأمل كتاب المرحوم محمد عابد الجابري " نحن والتراث " ليتعرَّف على هذه المنهجية ، فالضرورة العلمية تقتضي في بعض الأحيان فصل الفكر عن الواقع والعكس . كما أدعوا المشككين في النظرية التعمق في قراءة المنهجية ليس على مستوى العينات والفرضيات وأدوات البحث المستخدمة والملاحظة بالمشاركة فحسب وإنما على مستوى الفكر أيضا ، أو مثل ما قال المرحوم برحمة الله محمد عابد الجابري المنهجية كمحتوى معرفي . فالمنهج  هو بالأساس رؤية ، و الأدوات قد تساعد على فهم  الرؤية . فالمنهجية عندنا تأخذ صفة الخلفية النظرية التي تؤسسه كأن نقول المنهجية الخلدونية والمنهجية الماركسية  والمنهجية المثالية والمنهجية  الطوباوية إلخ ... وأصل المنهجية هو التأويل بالأساس . أما ما ورد في مقال صاحبنا فهو قد تحدث عن تقنيات تطبيق البحث وهو موضوع آخر . ومنهجيا عندما نناقش موضوع معين ينبغي في البداية تحديد مجال الحديث أو فن تسليط الضوء على فكرة محددة أو ما يسمى باللغة الفرنسية ( Projection ) ( المنهجية كمعنى وفكر شيء والمنهجية كمبنى وأداة شيء آخر ) حتى لا نتيه وتختلط علينا الأمور.
إن تسمية الحتمية (déterminisme) ليست مشكلة أسيء طرحها كما قد يبدو لصاحب المقال وغيره من المعترضين، فمسمى الحتمية أطلق منذ القرن التاسع عشر على كل النظريات التي تطورت إلى علوم مستقلة، وما الشعور بالحتمي إلا الشعور بالنسق أو النظام الأساسي كما يقال . والحتمية لا تعني المطلق أو الجبرية  أو التسلط الفكري أو الشمولية أو الكلياتية  أو إلغاء الفكر المضاد إلخ. كما يعتقد آخرون متهمينا بالتحوط أو الانغلاق أو الثبات أو الجمود وعدم الانفتاح ... ( نعم عصر الحتميات كإديولوجيا قد ولّى ) . الحتمية عندنا ليست لونًا سياسيُّا أو إيديولوجيًّا و تعني مرجعيتنا في التفسير ، مجالنا الفكري المحدد الذي ينبني على القيمة ( تحديدا التي مصدرها الدين ) المتغير العلمي الأساس لمعالجة الظاهرة الإعلامية دون إلغاء المتغيرات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لها علاقة بالظاهرة وقد تكون هي الأساس . فالحتمية عندنا وسيلة وليست غاية في حد ذاتها... إن مصطلح الحتمية فرض نفسه في النظرية للتمييز بين هذه النظرية والإعلام القيمي عموما. إن الشيء يفهم ضمن سياقه العام  ، وأن مبدأ الكل أسبق من مبدأ الجزء وأن العلاقة بين الأجزاء أهم من الجزء في حد ذاته ( أو ما يسمى بالمرحلية المتصلة ) . إن نظرية الحتمية القيمية لا تحمل أي معنى أو دلالة إلا في إطار السياق العام باستدعاء حضور العوامل القريبة والبعيدة التي ساعدت على تبلور النظرية. إن قراءة بعض كتابات الدكتور عزي عبد الرحمن يساعد على الفهم الجزئي لكتابات عزي ولكنه لا يساعد على فهم النظرية كنسق متكامل ومنسجم مرحلي ومتصل.  
 إن ثمة في الواقع حتمية رياضية وحتمية فيزيائية للكون ،ويتضح إذن أن الحتمية الرياضية المبنية على النتائج ،لا تنطبق على حتمية فيزيائية مبنية أساسا على الأسباب ،و كذلك يمكن الحديث عن حتمية علم الكيمياء التي تبرهن ذاتها في أجسام منتقاة ،إن نظرية نيوتن (Newton) مبنية أساسا على متغير واحد علاقة الكتلة بالجاذبية كحتمية لتفسير الظواهر الفيزيائية ونظرية اينشتاين مبنية هي الأخرى على النسبية في كل شيء (Relativisme Absolu) كحتمية لتفسير الظواهر الجامدة . وحتى إذا عدنا إلى المفكرين الغربيين الأوائل فنجد تفسير الظواهر كان مبنيًّا على الحتميات ( المتغير الواحد ) :العقل عند ديكارت (Descartes) والجماعة أو المجتمع عند دوركايم والسلوك الفردي عند واطسون (Watson) والمثالية عند هيجل والطوباوية عند سان سيموهن والمادية عند ماركس  واللاشعور عند فرويد والمنفعة عند بانتام والحرية عند كل من جون لوك وجان جاك روسو  وفولتير  مونتسكيو وستيوارت مل  ،وهكذا.
 ولأن ميكانيكا نيوتن قد تعرضت لثورة من داخلها لأن النسبية تهاجمها في صميمها المتكون من مفهوم الكتلة (la Masse) ، مع الإشارة أن  العالم الرياضي انشطاين لم يتعرض بالنقد للعالم الفيزيائي نيوتن ، ولكن نظرية انشطاين  أوضحت الثغرات التي كانت تعاني منها نظرية نيوتن ) هذا هو النقد الحقيقي الذي يساهم في التراكم العلمي والمعرفي والتاريخي للمجتمع . فالنقد لا يكون من الفراغ !  نفس الشيء تقريبا أن الحتمية التقنية لـ:ماك لوهان تتعرض لثورة من داخلها لأن الحتمية القيمية تتدافع معها الآن، ولكن نحن لا نقلل من جهد العالم الكندي مارشال ماك لوهان بل نعتبره عالم زمانه في الاتصال  وفي النقد الأدبي وفي فن الوسائل بصفة عامة وقبله أستاذه هارولد إنس .
إن النقد عندنا يكون أصيلا وعن حسن نية وليس مستعارا ( مسألة علمية مطلوبة). فمتى يصل الكاتب إلى مرحلة النقد؟ معروف في تراثنا هذه المقولة : إذا رويتم خبرا فاعقلوه عقل دراية لا عقل رواية ، فعلم الرواية شيء وعلم الدراية شيء آخر ،  والنقد في علوم الحديث وهو مرادف للجرح  لا يؤخذ إلا من الثقات . ومتى يصبح الإنسان من الثقات ( أي النقاد بالمفهوم الحديث ) عندما يمر على المراحل التالية : التعريف ، التفسير ، الحفظ ، التأويل وأخيرا النقد عن دراية وليس من خلال الرواية ( أو من خلال حوار أو مقال ) . صحيح للنقد شروط أخرى لكنها لا تخرج عن "التعديل" كما يقول الأصوليون ...
النقد الحقيقي اشتغال ( أي عمل كبير ) . نحن مع النقد الذي يهدف إلى عرض وتفسير وتحليل وتقييم المنتوج العلمي من أجل توعية القارئ بأهمية هذا المنتوج ومساعدته في اختيار ما يقرأ وما لا يقرأ، فنحن مع هذا النقد "البناء" ومهمة أتباع نظرية الحتمية القيمية الإعلامية  هي إخراج هذه النظرية إلى الوجود والتعريف بها من خلال الأدوات التالية : (التفسير والشرح والتأويل) والكشف عن أبعادها ودلالاتها المختلفة.
أما النقد المبني على الإساءات والكلمات البذيئة والأحكام المسبقة فبمثابة قذف في حكم القانون ومردود على صاحبه . والقذف في أخلاقيات الإعلام " نشر أي نص أو مضمون يسيء إلى سمعة شخص أو مؤسسة أو أتباع " ويصنف في معظم القوانين بالمنطقة ضمن القوانين الجنائية .
بقي لي أن أشير أن الحتمية القيمية في الإعلام قطعت أشواطا بعيدة من تلك الانتقادات الأولية التي مرت بها النظرية ، وتصنفها الآن بعض الدوائر الغربية ضمن قائمة الأفكار الكبيرة في القرن العشرين  ، أنظر نشرة الجمعية الأمريكية لأساتذة الصحافة والاتصال الجماهيري يوليو2012 في الرابط التالي :www.aejmc.com//p=1260 . وقد أشاد الأستاذ كريستنز كليفورد المتخصص في أخلاقيات الإعلام العالمية بالنظرية في عدة محاضرات أثناء زيارته الإمارات . وفي واقع الأمر فإن قوة أي فكر أو تنظير يكمن فيما يسمى في الدراسات الأكاديمية بعامل الانتشار والتأثير ( Impact Factor) ومن هذا المنطلق فإن جهود نظرية الحتمية القيمية في الإعلام قد نجحت بفعل ذلك ...

للموضوع مراجع

(1) مع الإشارة أن هذه المدونة المسماة الحوار المتمدن ، تنشر مقالات تسيء حتى إلى الذات الإلهية ، وتسيء إلى شخص الرسول عليه الصلاة والسلام . 
للمزيد من المعلومات يمكن قراءة كتاب الدكتور عزي عبد الرحمن ، دراسات في نظرية الاتصال ، نحو فكر إعلامي متميز ط1 (2003) وط2 (2008) ، مركز دراسات الوحدة العربية .
عزي عبد الرحمن الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية : بعض الأبعاد الحضارية ، دار الأمة ، الجزائر 1995 .
نصير بوعلي ( وآخرون ) حوارات أكاديمية حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ، دار الورسم ، الجزائر 2011.