التنظير الإعلامي القيمي: الفرص والتحديات


أ.د. عبد الرحمن عزي

تقديم

يتناول هذا التقديم العوامل الرابطة في تطور التنظير الإعلامي القيمي بالاعتماد على النصوص التي أسست أو أحدثت نقلة نوعية في المجال بدء بقراءة واعية في أدوات الآخر عبر كتابنا "الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية: بعض الأبعاد الحضارية "إلى نظرة تجديدية قيمية إنسانية لمفاهيم حرية التعبير وحرية الصحافة وعلاقة تلك الحرية بالقذف والتجريح والخصوصية الفردية والملكية الفكرية عبر مؤلفنا الأخير "قوانين الإعلام في ضوء الإعلام الاجتماعي: قراءة معرفية في ضوء النظام الأخلاقي."
ويتم التطرق أيضا إلى ورود نظرية الحتمية القيمية في الأدبيات الأكاديمية الإعلامية الغربية ضمن الأفكار الكبيرة (big ideas) في القرن العشرين وتعليق د. كليفورد كريستنز،  الرائد في مجال الإعلام الأخلاقي (ethical communication) ، عن أحد كتابات النظرية. ويستعرض هذا النص الفرص التي تتيحها النظرية في التدريس والبحث والممارسة الإعلامية ومن ذلك اقتراح تأسيس مركز أكاديمي "دولي" لدراسة القيم في الواقع الاجتماعي قصد رصد وتتبع ممارسة القيم عبر الأزمنة بالمنطقة العربية والإسلامية وتوظيف ذلك في مجال صياغة الاستراتيجات الثقافية "الجديدة."  وتتعرض المداخلة إلى التحديات التي تواجه النظرية في مجالي معالجة المفاهيم المستحدثة وتنويع الدراسات التطبيقية في المجال إضافة إلى إقناع "المتشكك" و"المتردد" بل حتى "الرافض" (لو أمكن) في اقتحام هذا المجال بحكم حداثته والتغيير أو الهزة المعرفية (الابستمولوجية) الذي تتطلبها لدى صاحبها  إذ أن أي منظور جديد عادة ما يقابل عند البعض "بالرفض" على مقوله "من جهل شيئا عداه" ثم لا يلبث أن يتحول المجهول إلى المرغوب في سنة تدافعية كانت الأساس في شتى الإكتشافات المعرفية والعلمية في الأمكنة والأزمنة الغابرة والمعاصرة. ومثلما ذكر الفيلسوف الأمريكي "سانتايانا"  عندما أراد أن يفهم "الظاهرتية" بوصفها نهجاً جديداً في التفكير والبحث قال "بأنه لم يفهم الظاهرتية إلى أن أصبح ظاهرتيا." ويدخل ضمن تلك التحديات نقل أسس ومفاهيم التنظير الإعلامي القيمي إلى الآخر عبر دراسات مشتركة بأكثر من لغة إن في المحيط الغربي أو الأسيوي حيث كلما ارتقت القيمة اتخذت صبغة إنسانية عالمية على النحو الوارد في افتراضات نظرية الحتمية القيمية في الإعلام.   

محطات في مسار نظرية الحتمية القيمية في الإعلام

التكوين الإعلامي في الجزائر بداية السبعينيات:

كان التدريس الإعلامي في الجزائر بداية السبعينيات يتسم بالنزعة الحرفية (أي التركيز على مواد التحرير الإخباري وفن الإلقاء والتقديم، الخ.) وكان التكوين حصراً بالمدرسة الوطنية العليا للصحافة التي تم إنشاؤها بعد الاستقلال بمساعدة منظمة "اليونسكو" تحت إشراف وزارة الإعلام. وفي بداية السبعينيات أصبحت المدرسة تحت إشراف وزارة التعليم العالي وانتقلت مدة التكوين من ثلاث سنوات إلى أربع سنوات للحصول على شهادة "الليسانس" (البكالوريوس) في الصحافة. كان التاريخ  في هذا التكوين حاضرا بشكل بارز من خلال الكتب الستة عن تاريخ الصحافة في الجزائر للأستاذ زبير سيف الإسلام يرحمه الله وكتابات الدكتور زهير إحدادن، شيخ تاريخ الصحافة الجزائرية، عن تاريخ الصحافة الأهلية في الجزائر. ويتميز تاريخ الصحافة في الجزائر بالزخم والتنوع الثقافي والسياسي والارتقاء في الكتابة والطرح بشكل لا ينافسه في ذلك إلا ربما تاريخ الصحافة المصرية. وللأسف فإن هذا التراث المهني والمعرفي الإعلامي لم يجد له مكانة في التدريس الإعلامي في الجامعة الجزائرية إلا باستثناءات محدودة.  وتضمن التكوين أيضا شيئا من الاجتماع من خلال كتاب "التفكير العلمي عند ابن خلدون" لأحد أساتذة المدرسة الأستاذ ابن عمار الصغير. وكانت تصلنا بعض الوثائق القليلة من المشرق مثل كتاب "المسؤولية الإعلامية في الإسلام" للأستاذ محمد سيد محمد يرحمه الله والذي كان أحد أساتذة المدرسة وبعض المواد باللغة الفرنسية عن الباحث الفرنسي "فرانسيس بال."  وكان التدريس مزدوج اللغة: قسم باللغة العربية وآخر باللغة الفرنسية. وعامة، طغت الأيديولوجية على التكوين الإعلامي آنذاك إذ كانت مفاهيم "الاشتراكية" والرأسمالية" قاسما مشتركا في الجو السائد في المدرسة بحيث كانت الاشتراكية تعني "الخير" والرأسمالية "الشر" تأثراً بالتوجه "الاشتراكي" للبلد والحرب الباردة دوليا آنذاك. وأمكن القول بالتالي أن التكوين كان يتسم بحضور الأيديولوجية والقليل من العلم والفكر. وربما سد النشاط غير الصفي شيئا من هذا الخلل حيث كانت تحضر بعض الشخصيات الإعلامية والثقافية والسياسية لإلقاء محاضرات بالمدرسة من أمثال الأستاذة زهير ونيسي، وزيرة الثقافة، ورضا مالك، الكاتب الصحفي بجريدة المجاهد أثناء الثورة      و"بول بالتا،"  مراسل صحيفة "لوموند"  بالجزائر آنذاك.
وكانت مكتبة خاصة على بعد أربعمائة متر تقريبا من المدرسة تبيع سلسلة من كتب مالك بن نبي يرحمه الله بدءاً من الظاهرة القرآنية إلى مؤتمر "باندونغ،" فمثلت بالنسبة لي مدخل صدق إلى عالم الفكر وبجو مغاير لما كان سائدا في المدرسة  رغم أنه لم يكن يأتي ذكر اسم الأستاذ مالك بن نبي آنذاك إلا بعد أن وافته المنية في السنة الأولى من دخولي الجامعة فكان ذلك اليوم مشهودا ومحزنا تلبد فيه جو السماء بالسحاب والغيوم وعم المكان (الجامعة المركزية) الحسرة والأسى. وقد أحيت تلك الكتابات بعمقها وبساطتها ذلك الإرث "الديني" الذي تلقنته من خلال مسجد القرية ببني ورتلان في الصغر والدراسة المتوسطة والثانوية بثانوية عمر ابن الخطاب بمدينة البليدة، فكان هذا الفكر بمثابة استعادة الحلقة "المقطعة" أثناء التكوين الجامعي الذي كان آنذاك مندفعا نحو وهم الحداثة دون اعتبار الأصل في القيمة والتاريخ.

نظريات الإعلام بأمريكا: أصولها وفروعها:

ولما انتقلت إلى أمريكا انشغلت بالتنظير الإعلامي حيث قمت بما يمكن اعتباره بقراءتين لأدبيات التنظير الإعلامي، أحدهما تخص فهم تلك النظريات من الداخل، والثانية تتعلق بطرح أسئلة عن مكانتى (إشارة إلى الخلفية القيمية والثقافية والمعرفية) من افتراضات تلك النظريات.  وقد اتضح لي أن تلك النظريات من أربعة أصناف وكلها ذات أساس فلسفية ومعرفية تخص التجربة الغربية بالأساس رغم انقطاع الخيط ظاهريا بين عدد من النظريات الجزئية وأسسها التاريخية والفلسفية. وهذه الأصناف وفق قراءاتي على النحو التالي:
1. نظريات الإعلام كنظم: وتخص هذه الأخيرة التنظير الخاص بعلاقة الإعلام بالنظام السياسي والاجتماعي وهي أربع نظريات مثلما وردت في كتاب"سيبرت"  وآخرون بعنوان النظريات الأربع للصحافة، وكان هذا المؤلف المرجع الأساس في مادة نظريات الإعلام التي أخذتها بجامعة نورث تكساس بأمريكا أواخر السبعينيات والسائد في مختلف أقسام الإعلام بالجامعات الأمريكية آنذاك. وقد اعتبر المؤلف المذكور أنه يمكن تقليص النظريات الأربع إلى نظريتين أساسيتين: السلطوية واللبرالية على اعتبار أن "الاشتراكية الماركسية" امتداد للسلطوية من جهة والمسؤولية الاجتماعية امتداد لللبرالية من جهة أخري، وكلها قائمة على تجربة الإعلام في أوروبا إلى غاية الحرب العالمية الثانية وتجربة الولايات المتحدة ما بعد تلك الحرب، وهي ذات جذور فلسفية تعود إلى المرحلة الإغريقية أو عصر التنوير بأوربا.     
2. نظريات الإعلام كتأثير: وهذه يمكن اعتبارها من نوع ما يسميه "روبرت مرتن"  "بالنظريات متوسطة المدى،"  أي أنها تتعامل مع متغير أو أكثر دون أن تكون لها نظرية كلية على مستوى المجتمع. وبدورها فإن هذه النظريات متوسطة المدى تعالج انشغالات "المجتمع الغربي" بالأخص مع تنامي دور الدعاية (ما بعد الحرب العالمية الأولى) وانتشار الأفلام "التجارية" وتزايد دور الإعلام في الشأن السياسي وبالأخص أثناء الحملات الانتخابية. وتشمل هذه النظريات نظرية "الرصاصة" أو "الحقنة" ونظرية "المجتمع الجماهيري" بعد الحرب العالمية الأولى و"نظرية التدفق الإعلامي على مرحلتين" بعد الحرب العالمية الثانية وما تبعها بعد ذلك مثل "نظرية تحديد الأولويات" و"نظرية الاستخدامات" و"نظرية دوامة الصمت" والقائمة طويلة، والشاهد أن للتاريخ "الغربي" و"إشكاليات مجتمعه" الأثر البارز في بروز تلك النظريات، وبمعنى آخر فإن تلك النظريات "غير بريئة" من مفعول التاريخ والاجتماع ويمكن تصنيفها بالتالي وفق حقبات تاريخية محددة.         
3. نظريات الإعلام كمناذج: وهي النماذج المصغرة عن قوالب الاتصال إن في الوضعية الاجتماعية المحدودة أو المؤسسات الاجتماعية مثل نموذج "لاسويل"  عن عناصر العملية الإعلامية والنماذج التي أوردها دانس ماكويل  في كتابة نماذج الاتصال.
4. ولما استكملت هذه المهمة وبدى علي الاهتمام الخاص بمعرفة أصول نظريات الإعلام وفروعها أرشدني الدكتور "فان دايك"  المتخصص في علم الاجتماع الإعلامي بقسم الصحافة بجامعة نورث تكساس إلى قراءة المدارس الاجتماعية الفكرية التي أسست الخلفية النظرية والمعرفية (الإبستمولوجية) للنظريات التي تنشغل بعلاقة وسائل الإعلام بالمجتمع أو بتعبيره علاقة المجتمع بوسائل الإعلام على اعتبار أن الاجتماعي في نظره يأخذ الأولوية على الإعلامي. فانشغلت بأربع مدارس بعضها عن طريق أصحابها مثل التفاعلية الرمزية والظاهرتية والنقدية وبعضها عن طريق المصادر المعرفية الأصلية مثل البنيوية. أما التفاعلية الرمزية فهي "أمريكية" بحتة نشأت بجامعة شيكاغو أواخر العشرينيات  سعيا لإحداث التوازن بين الفرد واستقلاليته والمجتمع وثوابته إذ تبرز الحقائق من خلال التفاعل الرمزي اللغوي (الكلام واللغة)  بين هذه المعادلة الثنائية (الفرد والجماعة). وكان العديد من أساتذة التنظير الاجتماعي الإعلامي من هذه الخلفية. أما الظاهرتية فذات جذور أوروبية (إدمند هوسل  وحلقة فيينا)  وإنما اتخدت بأمريكا بعدا اجتماعيا على يد "ألفرد شوتز"  (المتوفي سنة 1959) و"هالموت واغنر"  الذي درست عنده عندما قدم زائرا إلى جامعة قريبة  فأخذت أحد مواده عن تلك النظرية. وأما النقدية فظهرت في فرانكفوت الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى ثم هاجر جزء منها إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية واستقر عدد من أتباعها في المعهد الجديد للدراسات الاجتماعية  بنيويورك. وأخير، فإن البنيوية تعود إلى إسهامات اللساني السويسري "سويسر " وتبعتها تطبيقات نظرية وفكرية في الأنثربولوجية (لفي ستروس)  و التاريخ (فوكو)  وعلم النفس العلاجي (لكان)  وتحليل الصورة (بارث)  مثلما أوردت في مؤلف "الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية: بعض الأبعاد الحضارية."   

الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية: بعض الأبعاد الحضارية:

كان كتاب "الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية: بعض الأبعاد الحضارية" أول كتاب يتم نشره بعد عودتي من أمريكا. ولم يكن القصد من ذلك التعريف بتلك المدارس أو الانطلاق منها في الأبحاث الإعلامية "دون وعي" بمرجعيتها الفلسفية والتاريخية والاجتماعية، وإنما كان المبتغى إمكانية الاستفادة من أدواتها في غياب الفكر الإعلامي المستقل آنذاك من جهة و"ضعف استخدام أدوات الغير بوعي" من جهة أخرى. وكان الكتاب بمثابة حديث مع الذات أكثر من أن يكون مرجعا حتى وإن كان كذلك. وقد حدث هناك سوء فهم من طرف البعض في استخدام بعض من هذه المدارس حصرا ودون العودة إلى الافتراضات القيمية والثقافية التي تحكم الباحث. وكان من اقترح علي عناوين بحث مثل البنيوية وكذا، السيميولوجية وكذا، النقدية وكذا فنبهت إلى أن هذا المسلك ليس أمرا علميا "بريئا" إذ يؤدي إلى دراسة إشكالات الباحث بافتراضات "وفرضيات الآخر،" والأنسب علميا وحضاريا توظيف بعض أدوات تلك المدارس بوعي وانطلاقا من افتراضات و"فرضيات" أخرى مستمدة من الموروث القيمي والواقع الاجتماعي التاريخي للباحث. وعلى هذا الأساس يمكن أن تكون الاشكالية الكبيرة من وحي القيمة والواقع والأدوات الفرعية من استنباط واعي من تلك المدارس. 
ولما انتهيت من دراسة النظريات الإعلامية بفروعها المذكورة أعلاه ومنها المدارس الاجتماعية ذات الصلة حدث لي ربما ما حدث لأبي حامد الغزالي عندما انتهي من دراسة وتفحص المدارس الفلسفية "اليونانية" في زمانه فخلص إلى القول بأن تلك المدارس "تفي بغرضها ولكنها لا تفي بغرضي." فانسحب منها تدريجها وتوجه إلى دراسة الموروث القيمي المعرفي الذي ينتمي إليه هذه المرة من الداخل.  وأزعم أن الغزالي (أبو حامد) ربما يكون قد استفاد من بعض أدوات تلك المدارس الفلسفية دون أن يصرح (أو ربما دون أن يشعر) بذلك حسبما نقرأ في "المنقذ من الضلال" و"إحياء علوم الدين." وتعود تلك الاستفادة الضمنية في نظرنا إلى أمرين: أ) أنه نظر إلى علوم الدين بمنهج إحيائي (أي بنظرة تجديدة) وب) إدخال منهج الشك في الوصول إلى المعرفة في قوله "أن الشك أعلى مراتب اليقين." وقد يكون أصل منهج الشك عند الغزالي (أبو حامد)  غير محسوم من الناحية المعرفية إذ تتقاطع فيه الفلسفة التي تتحرك بالأساس في دائرة العقل والنهج الصوفي الذي طبع أعمال الغزالي الأخيرة خاصة ما تعلق بالتأمل "والخلوة" وبما يسميه الشيخ العلوي المستغانمي "البحث عن الحقائق واليأس (قصده الزهد) من ما في أيدي الخلائق."  وربما كان نهجي في آخر فصل من كتاب "الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية: بعض الأبعاد الحضارية" ينحو بشكل مستقل عن تلك المدارس فاتخذت لنفسي منهجا آخر في البناء النظري المعرفي القيمي الإعلامي. ولم أعد أراجع تلك المدارس لذاتها وإنما تركيزا على أدواتها باستثناء دراسة "تأملات عن تأملات واغنر عن شويز"  باللغة الإنجليزية لما بلغني أن أستاذي "واغنر" وافته المنية أواخر الثمانينيات (1989).  

نحو فكر إعلامي متميز:

كان لنشر كتاب "دراسات في نظريات الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز" أثره في إبراز نظرية الحتمية القيمية في الإعلام في المنطقة العربية حيث كانت فصوله عن "الواقع والخيال" و"فعل السمع والبصر،" و"المخيال الإعلامي،" والعالم الدرامي" "والحتمية القيمية" و"القيمي في مقابل المرئي" محل دراسة وبحث في أكثر من باحث وكاتب إضافة إلى تعليقات وسائل الإعلام مثل جريدة "الشرق الأوسط" عن مضامين الكتاب إضافة إلى حلقات تلفزيونية استضافتني مثل برنامج "ساعة حوار" عن الزمن الإعلامي والزمن الاجتماعي لصاحبه فهد السنيدي بقناة المجد التلفزيونية وبرنامج "فضاء الجمعة" عن الإعلام والقيم"  لصاحبه عيسى ميغاري بقناة التلفزيون الجزائري. وكان الدور الذي قام به الدكتور نصير بوعلي بوصفه "شارح النظرية" الأثر في نقل هذا الفكر إلى أوساط الطلبة عندما كان أستاذاً بجامعة الأمير عبد القادر(الجزائر) من خلال العديد من كتاباته.  ويضاف إلى ذلك باحثين قدموا إسهامات نوعية في بناء النظرية وتوضيح أسسها أمثال د. السعيد بومعيزة (في مجال المنظور التنموي والحتمية القيمية، ود. محمود قالندر في كتاب "اتجاهات البحث في علم الاتصال: نظرة تأصيلية."     

الإعلام وتفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية والإسلامية:

عالج هذا المؤلف تفاصيل البنيات القيمية والرواسب الثقافية التي تتفكك باستمرار في المنطقة العربية والإسلامية حديثا ودور الإعلام في هذه العملية بوصفها وليدة اعتبارات التاريخ والجغرافيا (أي المكان الرمزي) والزمن (بأبعاده الاجتماعية والإعلامية والقيمية والدينية) والرأسمال الرمزي (في مكانته مع الرأسمال المادي والاجتماعي والقيمي) وعنف اللسان والإعلام والخوف (من الصحافة وفي الصحافة وبالصحافة) والبنية البيولوجية المحتملة للقيمة. وقد حظيت هذه الفصول بشروح متنوعة وببعض الدراسات الإسهامية باستثناء الفصل الخاص بالبنية البيولوجية المحتملة للقيمة  والذي احتاج ربما إلى شرح أكثر وباستخدام شرائح تعكس دلالة النص. 

ندوة حول "نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة 2009

انعقدت هذه الندوة بمبادرة من جامعة الأمير عبد القادر والمهتمين من أساتذة وطلبة  فكانت بداية موفقة نتج عنها ثلاثة كتب في المجال: أعمال الندوة الأولى حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، قراءات في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام وحوارات أكاديمية حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام.

الملتقى الوطني الأول حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، جامعة عبد الحميد بن باديس بمستغانم، 2012:

انعقد هذا الملتقى بمبادرة من جامعة مستغانم والمهتمين من أساتذة وطلبة،  وكان من نتائجه توصيات الملتقي الهامة وصدور كتاب "منهجية الحتمية القيمية في الإعلام" التي تضمن إجابات عن أسئلة الطلبة في مجال تطبيق الحتمية القيمية في دراسات الجمهور وتحليل المضمون، الخ.

الملتقي الدولي الثاني حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، جامعة عمار ثليجي بالأغواط 2013:

انعقد هذا الملتقى بمبادرة من جامعة الأغواط والمهتمين من أساتذة وطلبة،  وكان من نتائجه النضج النظري والتطور النوعي في أدوات البحث خاصة ما تعلق باستبانات دراسة الجمهور انطلاقا من مقياس القيم ع.س.ن. إضافة إلى تعميق النقاش في مختلف جوانب النظرية انطلاقا من الأعمال العلمية القيمية المقدمة.   

استنطاق التاريخ النائم:

يدخل في شروط أي نظرية ارتباطها بالتاريخ، ومن ثم سعيت إلى إحياء نصوص تراثية كان لها الأثر في فهم ظاهرة الاتصال ومن بعدها ظاهرة الإعلام والعلاقات العامة قيميا، فأعدت ربط فكر مالك بن نبي بالإعلام متسائلا ماذا سوف يقوله مالك بن نبي عن الإعلام المعاصر لوبقي حيا انطلاقا من رؤيته الحضارية، واستخلصت قيم التواصل من رحلة الشيخ الحسين الورثلاني صاحب "نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار." وربطت نظرية أسماء الله الحسنى لبديع الزمان النورسي ربطا لغويا دلاليا يؤسس لأخلاقيات الإعلام برؤية قيمية، ثم توجهت إلى الفكر الأسيوي القديم وبينت حضور أسس العلاقات العامة  المعاصرة في فكر الفيلسوف الصيني صن تسو. 

التنظير الإعلامي القيمي في الأدبيات الغربية والأسيوية:

ينشغل التنظير الإعلامي القيمي بالأساس بواقع المنطقة العربية والإسلامية، ولا يهدف إلى التأثير على الآخر بالضرورة، ولكن وحيث أن أسسه ومراميه ذات بعد إنساني عالمي فيكون من الحكمة بمكان الامتداد إلى الآخر كلما كان ذلك ممكنا. وقد بدأت هذا الجهد وأنا في الجامعة العالمية بماليزيا حيث طرحت بالإنجليزية مفهوم "الكفاءة القيمية في عصر المعلومات" حيث شاع تعبير الكفاءة إشارة إلى الجانب المهني أو التقني فحسب بينما الكفاءة في الأصل ذات طبيعة قيمية قبل أن تمتد إلى ممارسة الجزء، وأجريت مقارنة بين منظور دانيال لرنر  في التنمية وطرح مالك بن نبي في معادلته "الإنسان والتراب والزمن" للبناء الحضاري. واشتركت مع باحثين أسيويين منهم الماليزي محمد يوسف في تأليف كتاب "وسائل الإعلام في العالم الإسلامي."  وتعتبر كتابات الأسيويين في الشأن الحضاري رغم قلتها أدق وأكثر احتكاكا من غيرها بالأدبيات الغربية. أما التعامل مع الباحثين في الغرب فالأمر تكتنفه بعض الصعوبات بسبب نظرهم إلى الدين بوصفه عملية شخصية أو قل محايدة باستثناء ما يخصنا مجال أخلاقيات الإعلام أوما تحول منذ 2009  إلى الإعلام الأخلاقي، فكان ذلك مدخلا لي إلى هذا الفضاء إضافة إلى ذكر نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ضمن الأفكار الكبيرة في القرن العشرين في نشرة الجمعية الأمريكية لأساتذة الاتصال حيث ورد فيها أن " الحتمية القيمية: ترى أن القيم وماهيتها القيم الأخلاقية الأساس في فهم تأثير الإعلام على المجتمع. وتستند النظرية إلى إرث فكر الاتصال الغربي وغير الغربي، ومن ثم فهي تفترض العالمية."  وقد اشتركت مع د. كليفورد كريستنز، الرائد في مجال الإعلام الأخلاقي،  في عدد من مجلة الدراسات الصحفية  التي تناولت البعد العالمي في أخلاقيات الإعلام بدراسة عن قيمية أخلاقيات الإعلام في نظرية أسماء الله الحسنى لبديع الزمان النورسي وعلق عليها كليفورد كريستن على النحو التالي: "علمت بمساهتك الممتازة في مجلة الدراسات الصحافة العدد 12-6. هذا هو نوع العلم الأكاديمي الصارم الذكي بالحجة الذي نحتاجه في أخلاقيات الإعلام العالمية. أنا معجب ومقدر كثيرا."   

الأخلاقي والقانوني في التنظير الإعلامي القيمي:

يتناول مؤلفنا الأخير "قوانين الإعلام في ضوء الإعلام الاجتماعي: قراءة معرفية في النظام الأخلاقي" أولوية الأخلاقي على القانوني استنادا إلى رؤية الشاطبي عن مقاصد الشريعة ومنظور "مونتسكيو"  عن روح القانون إضافة إلى إعطاء حرية التعبير وحرية الصحافة البعد الإنساني الحضاري المتجدد إنسانيا حضاريا وعلاقة ذلك بمسائل القذف والخصوصية الفردية والملكية الفكرية بالتركيز على الإعلام الاجتماعي. وتناول المؤلف التجربة الأمريكية في مصادر التشريع القانوني في الإعلام (الجماهيري والاجتماعي) وتطبيقاته في التاريخ والحاضر ومآخذ حقل قوانين الإعلام "الشحيح" في المنطقة العربية والإسلامية اعتمادا على وقفات اعتبارية من حالة الجزائر.

فرص التنظير الإعلامي القيمي ميدانيا:

تكمن إحدى فرص التنظير الإعلامي القيمي في تجسيد عدد من توصيات الملتقى الوطني الأول حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام المنعقد في جامعة مستغانم، أبريل 2013 ومنها طرح مادة (مساق) الإعلام القيمي إذ أن المادة العلمية المعرفية متوفرة وهناك عدد من طلبة الدراسات العليا وأعضاء هيئة التدريس في أكثر من جامعة ممن يمكنهم تدريس المادة بفعالية وتميز. وقد يصبح الإعلام القيمي مستقبلا تخصصا مستقلا بذاته عتدما تكتمل العناصر المهارتية الخاصة بممارسة الكتابة الإعلامية وإعداد البرامج التلفزيونية والإخراج التلفزيوني، الخ. برؤية قيمية. ويحتاج التنظير الإعلامي القيمي ممثلا في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام إلى توطين بأحد الجامعات ذات "الشجاعة" الأدبية والمعرفية فيتصف هذا التنظير باسم تلك الجامعة من مثل المدرسة (.....) على النحو الذي ساد في تطور الفكر والنظريات الإعلامية الغربية على غرار مدرسة فرانكفورت (النقدية) ، ومدرسة شيكاغو (التفاعلية الرمزية) وحلقة فيينا (الظاهرتية)  ومدرسة تورنتو (الحتمية التقنية)، ومدرسة بيرمنغهام (الدراسات الثقافية) الخ. وتكمن أهمية هذا التوطين لإحداث الاستمرارية في هذا الجهد الإعلامي المعرفي القيمي نظريا وتطبيقيا للأجيال اللاحقة وحتى لا يحدث في هذا الحقل ما حدث للإنطلاقة الفكرية التي بدأها مالك بن نبي ثم لم تتأسس وكادت أن تتحول إلى النسيان لولا أن قوة الطرح ودلالته الحضارية داخلية فظلت تطفو على السطح كلما نمى الوعي بالمشكلة الحضارية.  لا شك أن احتضان الأفكار أو النظريات الجديدة من سمة الجامعات العريقة، فالعالم "تالكوت بارسنز"  عاد إلى أمريكا بداية الثلاثينيات بعد رحلة دراسية ومعرفية إلى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وسعى إلى تأسيس نظرية اجتماعية باسم الوظيفية، فكان أول من احتضن هذا الفكر الجديد جامعة هارفرد  ومن تلك الجامعة انتشرت تلك النظرية وأصبحت تدرس في مختلف الجامعات شرقا وغربا إلى يومنا هذا. وعندما ظهرت نظرية أخرى منافسة على يد "سروكن"  المهاجر الجديد من روسيا في تلك الفترة باسم نظرية الثقافة الحسية والمثالية احتضتنه أيضا جامعة هارفرد وفتحت قسمين أحدهما برئاسة بارسونز والثاني برئاسة سروكن مما ولد نقاشا فكريا راقيا كان له الأثر في بروز أمهات الكتب في التنظير الاجتماعي والثقافي. أما الفيلسوف المعاصر "إرفينغ سينغر"  صاحب نظرية "فلسفة الفيلم والفلسفة في الفيلم" فقد خصصت له جامعة MIT موادا بهذه التسمية وتدرس بمؤلفاته بعيدا عن البرنامج الدراسي "الرسمي."  والقصد من هذا المثال القول أن الجامعات المرموقة أول من يحتضن الأفكار الجديدة، ومن هنا تكمن أهمية تنظيم ملتقيات وطنية أو دولية في جامعات مثل جامعة عمار الثليجي بالأغواط ومن قبلها جامعتي مستغانم والأمير عبد القادر. ولأهمية القيم في تاريخ المجتمعات والأمم، فقد اقترحت أن تحتصن أحد الجامعات مركزا عالميا لدراسة ممارسة القيم في المنطقة العربية والإسلامية قصد معرفة مدى تعلق الفرد والجماعة أو إبتعاد كل منهما عن القيمة في الوعي والسلوك عبر السنوات والعقود فيتحول هذا الرصد العلمي الدقيق للواقع الاجتماعي إلى سجل معرفي  يسهم في صياغة الاستراتيجيات الثقافية المستقبلية في المنطقة.           

تحديات التنظير الإعلامي القيمي في المنظور المتوسط والبعيد

تكمن إحدي تحديات التنظير الإعلامي القيمي في العمل على تقبله كأحد النظريات البديلة ذات البعد الحضاري والإنساني في المنطقة العربية والإسلامية ومن ذلك تقبل أبحاث طلبة الدراسات العليا في المجال. وقد ساهمت الملتقيات الأكاديمية المعرفية التي عقدت في جامعة مستغانم وجامعتي الأغواط والأمير عبد القادر في إحداث النضج المعرفي والمنهجي المطلوب في التعامل مع هذا التحدي. وتصلني بشكل مستمر رسائل ومقترحات بناءة ومثيرة من أكثر من مؤسسة جامعية مما يدل على مدى ارتباط هذا الجهد المعرفي بما يمس الإنسان في حقيقته وانتمائه وتطلعاته. وتتضمن تلك التحديات إقناع زملائنا من المشارقة بدراسة هذا التوجه والإسهام فيه بغض النظر عن مصدره، فالحكمة ضالة المؤمن دون أن أنسى مدى اهتمام زملائي هؤلاء بهذه الكتابات أمثال د. عبد الرحمن العناد ود. عبد العزير الزهراني من جامعة الملك سعود ود. عصام نصر من جامعة القاهرة  ود. محمد أوب العروب من جامعة بيرزيت بفلسطين. ويدخل في هذه التحديات ترجمة منظور ومفاهيم التنظير الإعلامي القيمي إلى لغات أخرى إضافة إلى مواصلة العمل مع الباحثين الأسيويين والغربيين في المجال ذاته.  والله المستعان.   
           
المصدر: