تعقيب الأستاذ عبد الله قاسم من جامعة الشارقة على أسئلة الدكتور علي قسايسة حول الحتمية القيمية



الأستاذ عبد الله قاسم
ومازال الحوار الذي اجريته مع البروفيسور علي قسايسية يثير اهتمام أساتذتنا الكرام من كل مكان، وخاصة منهم الجادين الذين يقدرون معنى هذه الحوارات الفكرية الجادة في وقت سادت فيه الرداءة في كل المجالات.

هذا تعليق ارسله مشكورا الأستاذ المحاضر بجامعة الشارقة الاستاذ عبد الله قاسم، يجيب من خلاله على السؤال الذي طرحه الدكتور قسايسية حول طبيعة نظرية الحتمية القيمية، ويتطرق إلى التحفظ  والتخوف من مصطلح "الحتمية" لما يوحي اليه من إكراه وجبرية.. محاولا استجلاء ابعاده وتجلية التباساته،
متابعة مفيدة وممتعة.....


تعقيب الأستاذ عبد الله قاسم 


تعقيبا على سؤال الدكتور علي قسايسة عندما تساءل عن نظرية الحتمية القيمية وإن كانت نظرية تيولوجية أو أخلاقية ديونتولوجية، حيث أجاب الدكتور عبدالرحمن عزي نافيا أن تكون النظرية ثيولوجية، أتساءل، هل كان الدكتور علي قسايسة يتساءل عن كون النظرية ثيولوجية أو كان يتساءل إن كانت تليولوجية، وهي النظرية الأخلاقية التي تتعلق بالنظر إلى نتائج الفعل، والتي تسمى أحيانا نظرية النتائج (Consequential theory)، والتي تفرعت إلى توجهين رئيسيين هما اتجاه الأنانية (Egoism) واتجاه النفعية (Utilitarianism).، وهو الأمر الذي تنفيه إجابة الدكتور عزي.
أما بالنسبة للتخوف من صفة الحتمية، فالحتمية كما أوضح الدكتور عبدالرحمن عزي في عدة مناسبات ضمن مؤلفاته، فهي لا تعني الجبرية التي لا تقبل بالنقاش وطرح وجهات النظر والأخذ والرد بطريقة علمية، ولكنها - أي كلمة الحتمية - تشير إلى اعتبار القيم العامل الأهم والحاسم في التأثير، حيث تعتبرالقيمةهي المتغير والمحرك الأساس في تفسير أي ظاهرة اتصالية أو إعلامية، وتعتبر المتغيرات الأخرى مثل الفعل الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي، الخ. “مكملة، أي تابعة. وبهذا المعنى، فإن الحتمية لا تشير إلى أي معنى جبري خارج نطاق حرية التفكير العلمي التي تتسم بها النظريات العلمية، بل تعني أن هذه النظرية العلمية - بما تستند إليه من منهجية علمية - تفترض وجود تأثير أكبر للقيمة من التأثيرات المختلفة للمتغيرات الأخرى. وعلى ذلك، نستطيع القول أن نظرية الحتمية القيمية تتوافق مع نظريات علمية أخرى في الاتصال الجماهيري كنظرية الحتمية التكنلوجية لماكلوهان من حيث المنهجية العلمية ، إلا أنها تتباين معها من حيث النظرة للعملية الاتصالية والتأثير الناتج عن مختلف المتغيرات الفاعلة فيها. ولا توصف نظرية الحتمية التكنلوجية لمالكلوهان بالجبرية وإنما بالحتمية.   

والحقيقة أن هناك العديد من النظريات العلمية التي تنتهج منهج الحتمية، منها ما ذكرناه لماكلوهان – نظرية الحتمية التكنلوجية في الاتصال، ومنها نظرية الحتمية المادية لماركس، وكذلك الحتمية الجغرافية لراتزل، وغيرها.

فيما يتعلق باعتبار القيمة أهم المتغيرات التي يجب أخذها بعين الاعتبار في العملية الاتصالية، فإن ذلك يرجع لعدة اعتبارات، أهمها أن المتغيرات الأخرى المؤثرة (الاجتماعي، الجغرافي، المادي، .. الخ) لا تحتفظ بنفس القدر من الأهمية في جميع الظروف، حيث يبرز المتغير المادي على حساب المتغير الجغرافي في ظرف من الظروف، في حين يبرز المتغير التكنلوجي على حساب المتغير المادي في ظرف آخر، إلا أن متغير القيمة يحكم كل المتغيرات الأخرى في جميع الظروف وفي جميع الحالات. فالقيمة، هي العامل الحاسم في أي سياق، مهما تغيرت الظروف التكنلوجية على سبيل المثال، فإن طريقة التعامل واستخدام التكنلوجيا والاستفادة منها هو الذي يحدد كيفية التغير والتأثير الناجم. فإذا كان استخدام هذه التكنلوجيا يتم في سياق الاستهلاك غير الواعي، فإن ذلك يضيف إلى حضارة المجتمع المصنع أو المنتج كما يرى مالك بن نبي لا إلى حضارة المجتمع المستهلك، كما يسهم في تبطيء عملية البناء الحضاري، بخلاف ما لو تم استخدام هذه التكنلوجيا استخداما ينسجم مع القيم.

على سبيل المثال، إن كانت تكنلوجيا الاتصال قد تطورت بشكل كبير دفع البعض لوصف هذا التطور بثورة تكنلوجيا الاتصال، فإن تأثير هذه التكنلوجيا يبقى متفاوتا من مجتمع لآخر ومن شخص لآخر، بحسب ما يتوافق هذا الاستخدام مع القيمة أو يتناقض معها، حيث إن استخدام هذه التكنلوجيا في التمثيل الصحيح للمجتمع، وبشكل يتماشى مع ثقافة المجتمع وخصوصيته، فإن ذلك يؤدي إلى تسريع وتيرة عملية البناء الحضاري، بخلاف ما لو تم عكس ذلك، حيث نلاحظ أن كثير من وسائل الإعلام العربية لم تستفد بشكل حقيقي من التطور التكنلوجي لوسائل الاتصال بشكل حقيقي، إذ لم تستطع وسائل الإعلام العربية الاستفادة من هذه التنكلوجيا بشكل مناسب إذ هناك قصور كبير على المستوى التقني والتشغيلي، كما ظلت تستورد المضامين (حتى التي لا تحتاج لإمكانيات تقنية كبيرة) من الخارج بشكل أساسي (على عكس دول أخرى كالهند مثلا)، مما عزز التبعية الثقافية للآخر وأضعف من الارتباط بالأرض أو المكان الذي ينتمي إليه الإنسان العربي، بالإضافة إلى اختلاط المفاهيم لديه ما بين الموروث الأسطوري والمفاهيم الواردة من الآخر، مما شكل كما يسميه الدكتور عبدالرحمن عزي مخيالا إعلاميا ظهرت آثاره على عموم المجتمعات العربية، كما تجاهلت وسائل الإعلام الاحتياجات الحقيقية للمواطن في كثير من الحالات، وهمشت بعض القطاعات، مما تسبب في إثارة مشاكل اجتماعية نرى آثارها في الكثير من الدول العربية في الوقت الراهن، الأمر الذي ترى نظرية الحتمية القيمية أنه نتاج طبيعي وفقا لمتغير القيمة، والذي يعد هو المتغير الأساس والذي يحكم جميع المتغيرات الأخرى في جميع الظروف.  وحيث أن الواقع معقد فليس يستطيع الإلمام به إلا القيمة التي تنيره وتمتد إلى جوانبه الاجتماعية والنفسية والتاريخية والسياسية ، الخ.  ومن أجل ذلك بين  الدكتور عبد الرحمن عزي منهجيا في مؤلفه منهجية الحتمية القيمية في الإعلام التمايز  بين  القيمة بذاتها  وأبعادها  الإثنتي عشر: الإيماني ، التواصلي، الزماني، المكاني ، اللساني، النفسي، الاجتماعي، الاقتصادي، التربوي، السياسي، الجمالي والإنساني.


مع تحياتي
عبدالله قاسم
محاضر، جامعة الشارقة