حوار مع المفكر الجزائري محمد شوقي الزين حول الثقافة ونظرية الحتمية القيمية وعلاقة المثقف بالسلطة والشعب


أجرى الحوار: باديس لونيس

هو الفيلسوف والمفكر الجزائري الشاب محمد شوقي الزين من مواليد وهران (الجزائر) في 13 مايو 1972، دكتور في الدراسات العربية من جامعة بروفونس - فرنسا، دكتور في الفلسفة من جامعة آكس-مرسيليا - فرنسا، متخصص في الفلسفة المعاصرة، الدراسات العربية الإسلامية، فلسفة التأويل، ابستمولوجيا العلوم التاريخية، باحث في معهد البحوث والدراسات العربية في آكس من 2005 إلى 2010 ، باحث في مركز الإبستمولوجيا والممارسات العملية المقارنة ابتداءً من 2012، أستاذ الفلسفة في جامعة تلمسان ابتداءً من 2013م، له العديد من المؤلفات منها: تأويلات وتفكيكات: فصول في الفكر الغربي المعاصر، هويات وغيريات: تأمّلات في الهوية، الذات والآخر: تأمّلات معاصرة في العقل والسياسة والواقع، ثم أخيرا صدر له كتاب مهم تحت عنوان: الثقاف والازمنة العجاف، وهو مرشح لنيل جائزة الشيخ زايد للكتاب.
أسعد كثيرا بمحاورته من خلال هذه المدونة حول دواعي تأليفه لهذا الكتاب، بالاضافة الى رأيه في الواقع الثقافي الفكري الجزائري ورأيه في فكرة نظرية الحتمية القيمية، ثم التعرف على وجهة نظره في العلاقة القائمة بين (المثقف-الشعب-السلطة).

مدونة عن كثب: بداية أهنئكم على ترشيح كتابكم " الثقاف في الأزمنة العجاف" لنيل جائزة الشيخ زايد، ثم اسمحوا لي أن أطرح  عليكم سؤالي الأول حول دواعي تأليفكم لهذه الموسوعة الفلسفية، وبهذا العنوان المثير؟


د. محمد شوقي الزين: الكتابة حول الثقافة ضئيلة بالمقارنة مع حجم الفكرة والمقولة، خصوصاً في النطاق العربي الإسلامي، ما عدا بعض المفكرين الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة: مالك بن نبي، محمد عزيز الحبابي، سمير أمين، زكي الميلاد. والكتابة حول الثقافة من وجهة نظر فلسفية تكاد تكون منعدمة. لهذا السبب، ارتأيت الاشتغال على الثقافة ليس لظرف عابر أو مناسبة سنوية، ولكن لأضع الأسس النظرية لفكرة الثقافة بالاشتغال على النصوص ونحت بعض المفاهيم التي أحاول أن أجد لها المعقولية المرتبطة بها، لغوياً وتاريخياً. كان من الممكن أن يأخذ الكتاب مساحة أكبر تتجاوز الألف صفحة. لكن، ارتأيت أن أخصص جزءً ثانياً أدرس فيه تاريخية تشكيل فكرة الثقافة بالاعتماد على مقولة أساسية متداولة عند الألمان خصوصاً وهي "البيلدونغ" (كلمة يتعذر ترجمتها: تكوين، تثقيف، تشكيل، تربية، تصوير، إلخ). هذه الكلمة-المفهوم هي عيّنة أو نموذج لما هي عليه فكرة الثقافة في كل منظومة نظرية لدى مجتمع من المجتمعات. كنتُ قد بيّنتُ أن الثقافة تستند إلى ثلاث ركائز جوهرية وهي الصناعة باستعمال الأداة، التكوين بالاشتغال على الذات، التواصل بتشكيل رؤية معينة حول العالم. امتداداً لهذا التحديد، سأركز في الجزء الثاني على الاشتغال على الذات في سبيل تكوين إنساني يعتمد على "التركيز" في القوى والملكات ويهجر "التمركز" الحضاري الذي به كانت الهيمنة والتوسّع. المتركّز في الإنسان هو همّي وسؤالي الآن، وكيف لا ينتقل المتركّز إلى المتمركز بفعل غباء أو غرور أو كبرياء.

مدونة عن كثب:انطبعت الساحة الفكرية والثقافية الجزائرية بركود كبير وغياب واضح للنقاشات الفكريةوالمناظرات الجادة والمثمرة رغم تعدد الفضاءات التي من المفترض أن تتيح وتساعد على ذلك؛ كالمجلات العلمية المحكمة والملتقيات العلمية المختلفة، أو حتى الفضاءات الافتراضية على مستوى الانترنت. إلى ماذا يعود ذلك حسب رأيكم؟

د. محمد شوقي الزين: نتيجة الركود هي تكرار نفس البداهات، الاحتكام إلى نفس الأساليب، الدوران المقرف على رحى نفس الصيغ والمقولات. لم نستطع بعدُ الانتقال من الواقع إلى المفهوم لابتكار تصوّر جديد عن واقعنا، كما هو موجود في كل إقليم تاريخي وجغرافي متطور مثل أوروبا وأمريكا، حيث دراسة حركة المجتمع تنجر عنها ابتكار في المفاهيم وإنتاج في النصوص. إلى ماذا اختُزل واقعنا؟ إلى دراسات سطحية، تجتر نفس المقولات، ولا تحاول أن ترتقي إلى مصاف المفهوم والأطر العقلية. كما أن الغالب في هذا النوع من الدراسات هو المناسبات في ملتقيات أو ندوات أو الكتابات الجماعية في شكل "استكتاب" (الذي هوانتقاص منالكتابة التي هي بالتعريف مؤسسة نظرية وممارسة فلسفية، وليس فقط خربشة كما توحيه كلمة "استكتاب" وكأنها ترادف المناسبة العابرة)، التبعثر في المباحث والمواضيع، حيث نكتب في كل شيء؛ ومن فرط كتابتنا في كل شيء، فإننا في نهاية المطاف لا نكتب عن أي شيء. الكتابة هي فن يقتضي الخبرة والممارسة المضنية والاحترافية تختمر بالوقت وبالمواظبة، وتتبع نهجاً وتسير وُفق انسجام وتذهب إلى أبعد من مجرّد وصف الوقائع أو نقل المعلومات والأفكار. إنها صناعة في الكلمة والفكرة وابتكار في النظرية.

مدونة عن كثب:ظهرت منذ سنوات نظرية في علوم الإعلام والاتصال على يد المفكر الجزائري عبد الرحمن عزي تحت مسمى "نظرية الحتمية القيمية في الإعلام" ينطلق من خلالها من فرض أساسي هو ان القيم التي مصدرها الدين هي أساس الرسالة، والرسالة هي أساس العملية الاتصالية، وبالإضافة الى 13 مفهوما قدمها عبد الرحمن عزي طوال سنوات اشتغاله على هذا المشروع والتي تقارب الثلاثين عاما، قدم مفهوما للثقافة على انها: "معايشة الواقع انطلاقا من القيم، ويكون النشاط المنطقي وسيلة في تحقيق الترابط بين القيمة والسلوك" ممثلا لهذا التعريف بهرم أعلاه القيم، وقاعدته حركة الانسان مع واقعه، ويتوسطهما النشاط المنطقي.

بحكم اشتغالكم على مفهوم الثقافة، ما رأيكم فيما تقدم؟

د. محمد شوقي الزين: الحق أنني لم أطلع على نظرية المفكر عبد الرحمن عزي وأتمنى أن تكون نظرية فاعلة في حقل الاتصال لتتعمّم على المجالات الأخرى في الاقتصاد والسياسة والفكر والاجتماع البشري. لكن، على العكس من الفكرة التي تأخذ بالرابط المنطقي بين القيمة والسلوك، أحبّذ بالأحرى الرابط التداولي، لأنه أكثر مرونة وسلاسة. يعطينا المنطق الانطباع بأنه آلة صلبة وصلدة، روبوطية، ميكانيكية، فولاذية، تكنوقراطية، توهم بأنها تنتج، ولكنها "آلة عانسة" كما سماها ميشال دو سارتو في نظريته حول الثقافة، هي آلة عاقرة. المنطق هو مجرد أداة في التنسيق الفكري والانسجام النظري (بالمعنى اليوناني العريق في "الأورغانون" Organon) ولا يمكنه أن يكون القاعدة في القيمة والسلوك، لأن بالنسبة للسلوك البشري هناك "مبادئ" (principes) لا "قوانين" (lois). وحدها الطبيعة لها القانون (مثل السببية)، لأننا يمكن أن نتوقع بعض الأحداث انطلاقاً من ملاحظة بعض العلامات أو تجريب بعض العيّنات. لكن السلوك البشري (في أية ثقافة) يفلت من كل محاولة في التقنين. لهذا أشير إلى خطورة الأخذ "بالتكميم" (الكمية بالمعنى الإحصائي والتقديري) وأركز على "التكوين" في تنمية القدرات الذهنية والسلوكية للفرد، ونأخذ بعين الاعتبار الإرادة الحرة الكامنة في تصورّه وسلوكه. لاحظت أن مقاربة الجزائري للأشياء (بما في ذلك النخبة الثقافية أو السياسية) هي مقاربة "جوهرانية" (essentialiste) بحيث الماهية تغلب على العلاقة. عندما يقول السياسي: "العلم هو معيار الحضارة" ولا حاجة لنا إلى الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، فهذه مقاربة "ماهوية أو جوهرانية" للأشياء، والجزائري متطبّع على ذلك. طيّب ! لا يختلف الناس حول أن "العلم هو معيار الحضارة"، لكن أين هي "السليكون فاليه" (Silicon Valley) في الجزائر، على غرار كاليفورنيا في أمريكا؟ أين هي صناعة الحواسيب والهواتف والسيارات (وليس فقط تركيب أجزائها في مصنع محلي)؟ علاوة على ذلك، وكما بيّن هايدغر، "العلم لا يفكر"، لأن الذي صنع القنبلة الذرية وجرّبها على البشر ليس الأدب ولكن العلم؛ الذي صنع الأسلحة الكيماوية وجرّبها على الإنسان ليس العلوم الإنسانية ولكن العلوم الدقيقة. استعمالات العلم من وراء التمركز الحضاري والكبرياء التاريخي هي أكبر معاول هدم العلم والحضارة على حدّ سواء. أنا فيلسوف رواقي، لا أخفي ذلك، والفكرة الرواقية تقول أن الكل مترابط مع الكل، وبالتالي كل علم له دور يشغله في صرح الحضارة. فلا يمكن إقصاء هذا العلم أو ذاك، هذه المعرفة أو تلك، بحجة أنها غير مجدية أو لا مردودية لها. فهي تؤدي (رغم ذلك) دوراً، ولو كان خفياً أو غير قابل للتكميم (quantification). لهذا السبب، أرى وأتأسف، على الروح الجزائرية القائمة على القراءة الماهوية للأشياء (قراءة عقيمة)، تعتمد على الكمية والحساب، وعلى الطابع التكنوقراطي الفولاذي والصلب (من وراء مزاعم الموضوعية والمنهجية وكل بلاغة انضباطية)؛ بينما الإنسان لا يُختزَل في حساب وتقدير (كما أراده له العلم منذ ميلاد الإحصائيات مع كوندورسيه في القرن الثامن عشر)، ولكن عقل مفكّر، سلوك مناور، فسحة حرّة، تكتيكات محتالة، ميول فارّة، إرادة هاربة، أي كل ما لا يمكن أن نتوقّعه أو نختزله في جداول وبيانات مؤطَّرة بالعقل الحسابي والذرائعي.

مدونة عن كثب:على هامش الحراك السياسي الذي تشهده الجزائر مؤخرا بمناسبة الانتخابات الرئاسية، كيف تقرؤون علاقة (المثقف-الشعب-السلطة) في الجزائر؟

د. محمد شوقي الزين: العلاقة هي متوترة وهشة. لقد فقد الشعب في كل المصداقيات الدينية والسياسية. هناك انهيار في المصداقية، لأن كثرة الوعود هي بالتعريف "أكاذيب". الكل يتراشق بالتهم في الوضعية الحالية ولكن الكل له مسؤولية في تردي هذه الوضعية. على الأقل، إذا كان الواحد منا منسجماً مع نفسه، يندّد أو يشتكي، ولكن لا يساهم في الجريمة، ولو كانت تافهة أو طفيفة: مثلا خرق الضوء الأحمر في الشارع. عندما يخترق الشخص أدنى قواعد السلوك الحسن والمشترك في الحياة (مثل قانون المرور)، فإن له القابلية على اختراق أي شيء: الأخلاق، الالتزام، المسؤولية.. لا أدري كيف أصف ذهنية الجزائري سواء أكان شعباً أو مثقفاً أو سلطةً، ولكن أقول فقط: ذهنية تفرّ من ذاتها وقد ضاقت عليها الجزائر برحابها الجغرافية والثقافية والألسنية والتاريخية ! لا أتحدث عن "لاشعور حضاري" يجعل الجزائري اليوم في عجز عن سياسة ذاته وإيالة مجتمعه لأنه حُرم من الحرية طيلة قرون بعد توالي الغزوات والاستعمارات (الإسباني، العثماني، الفرنسي..)، ولكن عليه (لا بدّ من ذلك) أن يجاهد نفسه للارتقاء الحضاري، عليه أن يبذل المجهود، ويضع كبرياءه وجروحه النرجسية جانباً، ليفكّر في كائن واحد يحتويه وهو "الجزائر". الأخطاء يتحملها الجميع: 1- أخطاء السلطة، أنها تحكم عالم اليوم ببقايا (reliquats) عالم الأمس. لم تدرك بعد (لم تفق من غفوتها) أن الأزمنة تبدّلت. حاولت استدراك ذلك بالانتقال من الاشتراكية إلى الليبرالية؛ لكن لا تزال تتصرّف بنفس الوتيرة كالتي عهدتها في العصر الذهبي للاشتراكية حيث البيروقراطية هي القاعدة لا الاستثناء، الإدارة متحجّرة، الوصاية شائعة، الفساد معمَّم؛ 2- أخطاء المثقف أنه انفصم في ثنائية متعاركة: إما "معرّب" يحمل الحقد على كل ما هو فرنسي بحكم الإرادة في الانتقام من تاريخ استعماري ظالم ومهدّم؛ وإما "مفرنس" يحتقر العربية ويرى فيها سبب التخلّف وينعت المعرّبين بالبربرية على أنه هو التقدّم والحضارة؛ 3- أخطاء الشعب أنه متعوّد على نفس الإحباطات ولا يبادرإلى ابتكار مساحة تتجاوز السلطة والمثقف على حد سواء. ماذا يوجد وراء السلطة والمثقف؟ يوجد "المجتمع المدني". ينبغي التعويل عليه، لأن السياسة بأنظمتها القديمة، التراتبية والقهرية، تجاوزها الزمن اليوم؛ والمثقف في أشكاله العضوية والأبوية تجاوزه الزمن أيضاً بفضل التقنيات المتطورة ومساحات التواصل الاجتماعي على الشبكة، حيث المعلومة ليست حكراً على المثقف ولا على السلطة، بل يتداولها الأفراد بشكل تلقائي وفوري.
أقول أخيراً أن لدينا طاقة هائلة لم نحسن بعد استثمارها، وهي الطاقة البشرية في شكل إرادات وعزائم ومشاريع وأفكار. فلا نترك هذه الطاقة تفلت من رصيدنا الحضاري؛ فلنجعل الشباب "طاقة في الاشتغال" ولا نجعل منه "وقوداً في الاشتعال"؛ لأننا في الغالب، وبسبب حمقنا وغبائنا، نختار استراتيجية أن "الكل خاسر" (السياسي يهرب، الشعب يُقتل، الشباب ينتحر، كما حصل في بعض البلدان العربية)، مع أن المفيد هو أن "الكل رابح" عندما يصبح السياسي مسؤولاً يراعي مجتمعه، والديني مسؤولا لا يتعدى مجاله، والمثقف مسؤولاً لا يفرض وصايته أو حدلقته. لكن هل لدينا القابلية لسماع صوت الحكمة والتعقُّل أم نبرز للعالم عكس ما ندّعي، أي همجيتنا وخوائنا؟ أعرف أن المسألة صعبة، لأن جهاد النفس لتقويمها وتصحيحها أصعب مؤسسة رمزية في التاريخ من سهولة البحث عن مجرم مصطنَع أو كبش الفداء أو مؤامرة أو يد خفية !