الدكتور علي قسايسية في حوار خاص مع مدونة عن كثب: مساهمات عبد الرحمن عزي ساعدتنا في التخلص من الفكر الأسطوري الذي علق في أذهاننا منذ سقوط العقلانية في التراث العربي-الاسلامي

أجرى الحوار: أ. باديس لونيس


الذكتور علي قسايسية
يسعدني أن احاور من خلال هذ المدونة أحد الدكاترة الجزائريين الأكثر اهمية ونشاطا أكاديميا، الأستاذ المحاضر بكلية الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر3، الدكتور علي قسايسية صاحب كتاب "جمهور وسائط الاتصال ومستخدموها" الذي صدر عام 2012، ويعتبر من اهم ما ألف في مجال دراسات الجمهور.

سنعرف من خلال هذا الحوار لماذا يرى دكتورنا أن لا وجود للبحث العلمي بمفهومه الراهن في مجموعة ما يسميه البلدان الانتقالية الدائمة، ومنها الدول العربية قاطبة بما فيها الجزائر بطبيعة الحال؟ ولما يرى أن البحث الإثنوغرافي بمفهومه السوسيو-ثقافي، هو أنسب مقاربة من بين المقاربات الكمية والنوعية؟ وما هو موقفه اتجاه نظرية الحتمية القيمية وما هو  سبب تجاهل الكثيرين لها حسب رأيه؟

هذا الحوار حلقة من سلسلة حوارات أعتزم إجراءها مع ثلة من أساتذتنا في مجال علوم الإعلام والاتصال بهدف خلق فضاء علمي للنقاش وتبادل الأراء في مجموعة من القضايا. وانتظر مشاركة وتفاعلا فعالا من طلبتنا وزملائي الاساتذة لإثراء هذا النقاش.


مدونة عن كثب: صدر لكم مؤخرا، كتاب مهم تحت عنوان: جمهور وسائط الاتصال ومستخدموها، دعوتم في خاتمته الى التوجه نحو مقاربة بديلة في أبحاث الجمهور تتمثل اساسا في المقاربة الاثنوغرافية الانثربولوجية، ما أسباب هذه الدعوة ومن أين تستمد شرعيتها؟


الدكتور علي قسايسية: أعتقد أن الإجابة تمكن في عنصرين هامين ومصداقيتهما في نتائح التحقيقات الاجتماعية، يتعلق العنصرالأول بالمقاربة الإثنوغرافية نفسها، كما هي مستخدمة في أبحاث الجمهور منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويهم العنصر الثاني أحوال التحريات العلمية في المجتمعات الانتقالية (من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة وما بعد حديثة).

1- معروف أن المقاربة الإثنوغرافية بمفهومها الراهن السائد في الأدبيات الأنجلوسكسونية ( مختلفة عن المقاربة الأنثربولوجية  في المدرسة اللاتينية والفرنسية تحديدا)، تعنى بالظواهر المستجدة في الحياة الاجتماعية التي لاتتوفرفيها قاعدة المعطيات العلمية ، على بيانات ثابثة يمكن الاستناد إليها في فهم وتفسير تلك الظواهر الجديدة  المرتبطة بفضاءات الاتصال والإعلام الجديدة. يلجأ الباحث الإثنوغرافي، أسوة  بنظيره في البدايات الأولى للإثنوغرافيا، إلى الاندماج في مجتمع البحث ويعايش تلك الظاهرة ويعيشها أيضا  مثل مفردات المجتمع، موضوع البحث، في محاولة لفهم وتفسير تلك الظاهرة.

2- ومعروف أيضا أن التحريات الاجتماعية العلمية تستند في الكشف عن مواقف واتجاهات أفراد المجتمع ومشاعرهم ومداركهم، إلى معطيات إحصائية، غالبا  ما يعتمد في جمعها على استمارات استبيان يتولاها المبحوث نفسه ، تحولها المقاربات الكمية إلى وقائع رياضية يصعب في أغلب الحالات التسليم بمطابقتها للواقع الاجتماعي المدروس.

ومعروف أخيرا أن واحدا من كل  أربعة جزائريين لايعرف القراءة ولا الكتابة، بمعنى عدم القدرة على التعامل مع الاستمارة، فأي مصداقية لبحث  اجتماعي يهمل ربع المجتمع؟ ضف إلى ذّلك أن  الصراحة والصدق والثقة وقول الحق والموضوعية...هي قيم غير محترمة بصرامة، ويتم بسهولة الخلط بين الآبحاث الاجتماعية والتحقيقات البوليسية والضريبية والجنائية في الكثير من الاحيان. 

 بالنظر إلى مثل هذه المتغيرات وغيرها كثيرا، أعتقد أن البحث الإثنوغرافي بمفهومه السوسيو-ثقافي، هو أنسب مقاربة من بين المقاربات الكمية والنوعية التي تحاول إضفاء صفة أكثرعلمية على العلاقة الجدلية القائمة بين الرسالة الإعلامية والسلوك الذي يأتيه الجمهور بعد تلقى هذه الرسالة والتصرف فيها كقائم بالاتصال ضمن فضاء الوسائط الجديدة.

مدونة عن كثب: ما هو تقييمكم للبحث العلمي في علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية عامة، والجزائر خاصة؟


الدكتور علي قسايسية: قد لا أجانب الصواب إن قلت أن لا جود للبحث العلمي بمفهومه الراهن في مجموعة ما أسميه البلدان الانتقالية الدائمة، ومنها الدول العربية قاطبة بما فيها الجزائر بطبيعة الحال. السبب الرئيس هو غياب الحرية، حرية البحث عن المعلومة الخام والوصول إليها ثم تفسيرها، والأهم غياب حرية التعبير عن التفسيرات العلمية المغايرة للأطروحات السياسية والايديولوجية السائدة في مجتمع ما. المقصود هو المعلومة المتعلقة بالحقائق الاجتماعية  اوابيانات عن المعطيات والتعبير العلني عنها. الأوضاع السائدة في كل هذه البلدان لاتعرقل البحث العلمي فقط ولكنها تحرفه في الاتجاه الذي يخدم القوى المهيمنة على الشؤون العامة في المجتمع. جل الباحثين المحاولين تجاوز هذه المعضلة، لازالوا في مرحلة جمع البيانات ومحاولة مساءلة الواقع والتساؤل عن مكوناته كما يذهب لذلك عزي عبد الرحمان، وهي أعتقد، مرحلة متقدمة قياسا بدرجة الصفر التي عليها البحث العلمي السوسيولوجي عامة والإعلامي خاصة في  هذه الكلتة من البلدان القابعة في المرحلة الانتقالية.

مدونة عن كثب: ما هو موقفكم من نظرية الحتمية القيمية في الإعلام لصاحبها عبد الرحمن عزي؟


الدكتور علي قسايسية: لا أعتقد أن موقفي الشخصي مهم بشأن هذه الفكرة الكبيرة من أفكار القرن الواحد والعشرين ، حسب العديد من المهتمين الغربيين الذي يحتكرون العلم والمعرفة منذ أمد بعيد في العصر الراهن، ذلك أن النقاش لازالت قائما حول حقل الطبيعة الفلسفية التي تنتمي إليه: هل هي نظرية علمية بمعاييرالعلوم الطبيعية والانسانية والاجتماعية السائدة منذ عصر النهضة، أم أنها نظرية تيولوجية او نظرية أخلاقية ديونتولوجية؟. الناس يتخوفون من صفة "الحتمية" التي ألصقت بها  والتي تعني الجبرية ، في حين أنهم متعودون على الحرية في التفكير العلمي وعلى أن فرضيات النظرية العلمية يمكن أن ترفض أو تعدل أو تعتمد... مما قد يرتب هذه الفكرة في خانة المسلمات التي لا تقبل النقاش العلمي. هذا من وجهة نظر إبيستومولوجية المعرفة العلمية، أي الدراسة النقدية لفرضيات ومناهج وخلاصات علم معين، والأمرهنا يتعلق بعلوم الإعلام والاتصال في صيغة الجمع. أما فيما يخص الفكرة في حد ذاتها، فقد كتبت منذ أكثر من عشرينين أن  "مساهمات الأستاذ عزي الذي نقل الكثير من الفكر الاجتماعي الحديثة، وبالتالي الفكر الإعلامي الراهن، إلى الأدبيات الإعلامية المعربة، تعتبررشدية حديثة تساعدنا على التخلص من الفكر الأسطوري الذي علق بأذهاننا منذ سقوط العقلانية في التراث العربي-الاسلامي"، وأخيرا (2012) فقط، نشرت في مجلة بجامعة روزفلت الأمريكية أن عزي عبد الرحمان، يعتبر واحد من أكبر الأكادميين في البلدان الإنتقالية الذي انفرد بمحاولاته العديدة الرامية إلى تأسيس "علم إعلام " خصوصي يقوم على معطيات البيئة الإجتماعية والثقافية للمجتمعات التي يدرسها. النقاشات التي تجري عبر بعض الجامعات الجزائرية من شانها أن تبلور الفكرة وترفع عنها الكثير من اللبس الذي يكتنفها، خاصة وأن المعني يساهم ويشرف بنفسه على تصحيح مسارات الحوار والنقاش.

 ربما تكشف هذه الإجابة عن لاموقف  بدلا من الموقف الذي تبحث عنه من خلال سؤالك، ولكن أعتقد أنها أفضل من الصمت المبيت  ومن النقاش الخفي الذي يلتزمه الكثير من الزملاء.

مدونة عن كثب: كيف تفسرون، تجاهل الباحثين والاساتذة الجامعيين الجزائريين خاصة لهذه "المبادرة العلمية" حتى وإن كان بالنقد والتفنيد؟


الدكتور علي قسايسية: إضافة إلى ما سبق ذكره في الاجابة عن السؤال الثالث،أعتقد أن مكانة عزي المعرفية والعلمية، أحدث وأكبر من أن يتناولها بالنقد و/أو التنفيد، الأساتذة والباحثين من جيله ومن سبقه، أما الأجيال اللاحقة من الأساتذه والباحثين، فجلهم تتلمذ على يده أو تمرس على أفكاره بصفة مباشرة أو غير مباشرة. وبالنظر إلى حساسية الموضوع ومكانة صاحب الفكرة...فإن جلهم يكتفي باللاموقف أو بالنقاش في دوائر ضيقة أو حتى مغلقة، وفقا لفلسفة انتظر وسترى " وايت أند سي".

مدونة عن كثب: تملكون موقعا الكترونيا، وهو استثناء جميل في الساحة الأكاديمية الجزائرية، تمارسون من خلاله نوع من التعليم الالكتروني، كيف تقيمون هذه التجربة؟


الدكتور علي قسايسية: فعلا أدير وأموّن منذ عدة سنوات موقعا إلكترونيا، يتضمن فضاء عاما مفتوحا لكل الناس الراغبين في التعرض لمحتوياته المعرفية المتخصصة في مجالات اهتماماتي العلمية، خاصة التشريعات الإعلامية الحديثة ودراسات الجمهور، ثم فضاء خاص بالطلبة  من مستويات الليسانس والماستر والماجستير والدكتوراه، يستخدمون محتوياته لأغراض بيداغوجية و/أو بحثية. إلى جانب مدونات شخصية عديدة حسب التخصصات التي أشرفت أو أشرف على تدريسها، ومدونة خاصة بفرقة بحث في إثنوغرافيا مستخدمي الوسائط الجديدة، ومدونة أخرى خاصة بمخبر البحث في استخدام وتلقي المنتجاث الثقافية والإعلامية في الجزائر.

أردت من خلال ذلك أن أعصرن وأحيًّن نشاطاتي المهنية البيداغوجية والبحثية العلمية، أولا، لتمكين الطلبة من الحصول على الدروس في أي مكان يكونون وفي الوقت الذي يريدون وبالمجان للتخفيف عنهم من معاناتهم وعجزهم المالي أحيانا في الحصول على المطبوعات التي تخلت عنها الكثير من المؤسسات الجامعية وتركتها لقناصي الفرص الذين يتحينون فترات الامتحان لابتزاز الطلبة ماليا وغير ذلك، تحت مبررات تقديم خدمات للطلبة. وبطبيعة الحال، فإن الدروس المنشورة على الموقع أو على المدونات لم تسلم من القرصنة من قبل قناصي الفرص، رغم أن الدخول لفضاء الطالب يتطلب كلمة مرور سرية خاصة بكل طالب مسجل باسمه الحقيقي ورقم تسجيله الجامعي وسنة دراسته وتخصصه. ثم إن القرصنة توسعت لتشمل أشخاص ألفوا كتب أو أقاموا مدونات شخصية، لاتحترم أدنى أخلاقيات البحث العلمي و حقوق الملكية الفكرية و/أو الأدبية.

وأخيرا، تصورأن الإدارة الجامعية لا تعترف بالنشر الإلكتروني كنشاطا بيداغوجي وعلمي، وأن بعض الطلبة في بداية العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، يشتكون للإدارة تكليفهم ببعض الأعمال عن طريق الإيمايل.

أخيرا:



هل من ملاحظة حول مدونة عن كثب، وهي تحتفل ببلوغها المائتي الف زيارة؟


الدكتور علي قسايسية: منذ سنوات لفتت انتباهي الآثار الطبية لهذه المدونة في الأوساط الجامعية، وبفضلها  تمكنت من التعرف افتراضيا وواقعيا أيضا،على العديد من  الأساتذة والطلبة الذين أتشرف دائما بتقاسم ما تيسير لي من معارف معهم.. وقد سبق لي أن اقترحت عليك تحويلها إلى موقع يمكنك من القيام بالكثير من الوظائف التي لا تتوفر عليها المدونات، مثل التحاضر عن بعد والمحادثات الفورية...
 وفقك الله الأستاذ لونيس