تعليق البروفيسور عبد الرحمن عزي حول حوار البروفيسور علي قسايسية


نشكر الزميل د. علي قسايسية  على ما جاء في حواره  معكم وملاحظاته القيمة حول التنظير القيمي الإعلامي وبالأخص نظرية الحتمية القيمية في الإعلام. الدكتور قساسية أستاذ قدير ومن القلة الذين يمزجون بين التكوين الأكاديمي "الدقيق" والممارسة الإعلامية في جانبها "الحاد والخفي. وهو يستطيع أن يتحرك بإبداع وحيوية من النظري إلى العملي والعكس. ويتميز الدكتور علي قساسية بالتفكير العقلاني الرزين والنزاهة في النقد وإبداء الملاحظات البناءة التي قد تدفع الآخر إلى إعادة النظر في بعض مسلماته. ولاشك أن المحيط الأكاديمي على ضيقه وقلة صرامته عندنا قد كسب الأستاذ رغم أنه بإمكانه إفادة  الممارسة الإعلامية بنفس الكفاءة.

وقد وددت في هذا التعليق توضيح أسئلة مهمة جدا وردت في حوار زميلنا الدكتور علي قسايسية  و لاشك أنها مطروحة من باحث ملم ومتمرس في التراث الإنساني الثقافي والفلسفي ولو انظم الدكتور علي قساسية إلى جهور نظرية الحتمية القيمية لقدم إسهاما متميزا في المجال.   وقد وردت ملاحظاته على النحو التالي: 
 هل هي نظرية علمية بمعايير العلوم الطبيعية والانسانية والاجتماعية السائدة منذ عصر النهضة، أم أنها نظرية تيولوجية او نظرية أخلاقية ديونتولوجية؟. الناس يتخوفون من صفة "الحتمية" التي ألصقت بها  والتي تعني الجبرية ، في حين أنهم متعودون على الحرية في التفكير العلمي وعلى أن فرضيات النظرية العلمية يمكن أن ترفض أو تعدل أو تعتمد... مما قد يرتب هذه الفكرة في خانة المسلمات التي لا تقبل النقاش العلمي. هذا من وجهة نظر إبيستومولوجية المعرفة العلمية، أي الدراسة النقدية لفرضيات ومناهج وخلاصات علم معين، والأمر هنا يتعلق بعلوم الإعلام والاتصال في صيغة الجمع.   

التعليق:

عملت مع زملائي على أن تتأسس نظرية الحتمية القيمية في الإعلام بوصفها نظرية معرفية أكاديمية وليست ثيولوجية، أي أن أدواتها أكاديمية وعقلانية إلى حد يقترب من "العقلانية البحتة،" ولكن مضمونها تراث قيمي وحضاري وإنساني متجدد. وبمعنى آخر، فقد حاولت سحب عامل القيم من الحقل الدعوي إلى مجال الحقائق العلمية نظريا ومنهجيا.  وفي نظرنا، فإن ركود مجال "القيم" وعدم فعاليته بتعبير مالك بن نبي يعود إلى حد كبير إلى عدم الانشغال بالقيمة من الناحية المعرفية والمنهجية والنظر إليها بوصفها تنتمي إلى مجال الدعوة أحيانا أو الثيولوجيا أحيانا أخرى .  والمتتبع المدقق يلحظ التوجه المعرفي في فصل نظرية الحتمية القيمية م عن أدبيات الإعلام الإسلامي وأدبيات إسلامية المعرفة فصلا  منهجيا يصل أحيانا إلى القطيعة المعرفية بحثا عن تأسيس قواعد قيمية علمية أكاديمية ...
ويحتاج جزء "الفصل عن" بعض التأهيل حيث القصد ليس استثناء الآخر ولكن إضفاء بعد معرفي عقلاني ومنهجي في سياق تاريخي واجتماعي لم يكن حاضرا في تلك الأدبيات التي تعلقت بالنص ودونه (أي دون غيره).  أضف إلى ذلك أن التنوع في التنظير أمر يدل على الرقي وليس "الانحدار،"  فالحقائق إنما تتجلي عندما تتفاعل أو تتدافع مع ما يعيقها أو "يخدشها" أو يحركها في هذا الاتجاه أو ذلك.
ولا توجد "حدة" في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام إذ تتعايش إيجابا مع النظريات السائدة  في الغرب وتستفيد مثلما تفيد. وبمعنى آخر، فإنها لا تقوم على ثنائية  "نحن والآخر،" ولكن "نحن والآخر معا" ومن ثم فهي تتخذ طابع العالمية وليست خاصة  بجغرافية ثقافية معينة وإن كانت تستمد قوتها من تلك الجغرافيا على اعتبار أن العالمي من أصل محلي.
أما التساؤل حول ما إذا كانت نظرية الحتمية القيمية نظرية أخلاقية "ديونتولوجية" فهذا سؤال مهم يمكن الإجابة عليه من خلال المقارنة مع النظرية الأخلاقية "التيليلوجية"  وليس "الثيولوجيا"  على اعتبار أن معظم النظريات الأخلاقية المعاصرة الغربية انسلخت وبرأت نفسها من "الثيولوجيا" إلى حد كبير بفعل النزعة العلمانية "القوية" وفصل الدين عن العلم في جانبه المؤسستي والمعرفي. وإجابة على السؤال فإن نظرية الحتمية القيمية في جانبها وفرعها الأخلاقي  قريبة من النظرة  "الديونتولوجية" بالتأكيد إن أنها تنطلق من قيم موضوعية عالمية ثم تسعى إلى مقاربة الواقع الاجتماعي انطلاقا من تلك القيم وليس إخضاع تلك القيم للواقع، أي أن الارتقاء في الأصل وحصرا من الواقع إلى القيمة.  وهذه الملاحظة التي قدمها زميلي د. علي قساسية هي تقريبا نفس الملاحظة التي قدمها لي الأستاذ كليفورد كريستنز، المتخصص في أخلاقات الإعلام العالمية والأستاذ السابق في جامعات برنستون وأكسفورد وشيكاغو،  عن المنهج التي اتبعته في مقاربة القيم في الإعلام. فعندما شرحت له  المقاربة النظرية والمنهجية لنظرية الحتمية القيمية  وخاصة في مؤلف الإعلام وتفكك البنيات القيمية  والقيم الست الواردة في النص: ( الزمن الإعلامي والزمن القيمي – المكان الرمزي والمكان القيمي – الرأسمال الرمزي والرأسمال القيمي – عنف اللسان والإعلام –  الخوف في الإعلام ومنه وبه - البنية القيمية للغة – وبيولوجية القيمة والتفكير)  قال بأنني متأثر بكانت (الفيلسوف الألماني) في هذه المقاربة فشرحت له  التشابه و الفروق الموجودة بين فلسفة "كانت" الديونتولوجية" ونظرية الحتمية القيمية ذات الطبيعة "الديونتولوجية" أيضا،  فأشار إلى أن قراءاتي لكانت (الفيلسوف الألماني) متعمقة في نظره ولو كنت إنسانا غربيا  لصنفني مباشرة بأنني من الكانتيين (نسبة إلى كانت)  الجدد. ولم أنشغل كتابة بفلسفة كانت إلا في كتابي الأخير:قوانين الإعلام في ضوء الإعلام الاجتماعي: قراءة معرفية في النظام الأخلاقي، فقدمت نظريته باختصار. 
 ونحن نعتذر عن استخدام هذه المصطلحات التي تنتهي ب جية  من الديونتولوجيا أو "التيليلوجيا" – أي العقل)   التي قد تحمل لبسا عند القاري باللغة العربية والتي (أي المصطلحات) ورطنا فيها زميلنا د. علي قسايسية بسؤاله القيم والجريء ولكن يمكن أن نوضح شيئا في غاية الأهمية بالنسبة لنظرية  كانت الخاصة "بالواجبات الضرورية،" والتي تحمل نزعة الحتمية على اعتبار أن تعبير الضرورية عنده يعني ضرورية دون قيد أو شرط ومن ثم تتخذ صبغة العالمية بالضرورة.  لا شك أن القاري المتمعن في فلسفة كانت و طروحاته  حول الأسس الميتافريقية للأخلاق وخاصة مقاربته للأخلاق بوصفه واجبات يجد أن الخلفية الدينية المسيحية حاضرة في فلسفته رغم ابتعاده – اضطرارا في نظريا بسبب الضغط العلماني الذي لا يقبل ربط المحاجة العقلانية بالأخلاق المعيارية في تلك الفترة – عن المرجعية الدينية والهجرة قصرا إلى المرجعية المتافيزقية. ما يهم في ذلك أنه تمكن من "شرعنة" الفلسفة الأخلاقية  في المؤسسة الأكاديمية، وهذا الإنجاز في نظرنا لم يستطع أن يقوم به أحدا خاصة في التاريخ الفكري الغربي مثلما فعل كانت. وفي هذه النقطة بالذات تكون جهود نظرية الحتمية القيمية  متشابهة مع النهج المذكور مع اختلاف في المستوى والأدوات والسياق وما شابه ذلك.  ويجد القارئ المتمعن أن هناك بعض التلاقي بين الواجبات الضرورية عند كانت واعتبار نظرية الحتمية القيمية أن القيمية المتغير الأساس في فهم ظاهرتي الاتصال والإعلام وفي عملية اتخاذ القرارات الأخلاقية في المؤسسة الإعلامية والحياة بشكل عام رغم أن الإعلام لم يكن ظاهرة سائدة في عهده.  وهذا التلاقي يتضمن القول بأن "الصدق" بوصفه قيمية أخلاقية "صدق" ضروري في كل الحالات والظروف ومن ثم فهو قيمية عالمية وليست محلية أو مقيدة بشروط.  والأمر نفسه في القول أن التعامل مع الآخر يكون انطلاقا من الهدف وليس من الوسيلة، بل إن كانت يذهب إلى القول بأن القرار الأخلاقي لا يكون كذلك إذا كان بدوافع شخصية بحتة أو أنانية.   أما جانب الاختلاف بين نظرية كانت والحتمية القيمية فيكمن من أن نظرية الحتمية القيمية تعتبر أن القيم ليست مثلا  (بضم الميم) فسحب يتم حسمها عقلانيا فحسب  ولكنها قيم (أو أنوار بتعبير النورسي)   تتم معايشتها في سياق اجتماعي ثقافي فتتلون وتتجدد في الواقع الاجتماعي انطلاقا من القيمة مثلما أشرت إلى ذلك في مقاربة الزمن الإعلامي والزمن الاجتماعي أو الرأي العام "والمخيال الإعلامي."  وينطبق ذلك أيضا على نظريته إلى الكائن الإنساني بوصفه عقلانيا يقترب من نوع من المثالية الإغريقية رغم نقده (أي كانت) للعقلانية البحتة.  أما التوجه  الثاني، أي النظرية الأخلاقية "التيليلوجية" التي تربط الأخلاق بالنتائج فهذه في نظريا أقل الفلسفات قوة رغم أنها السائدة في الفكر السياسي والإعلامي الغربي إلى حد كبير. وقد كون هذا الفكر المنفعي حاضرا بعض الشيء على أطراف الفلسفة الأخلاقية الإسلامية ولكنه لم يتطور إل تيار جارف على النحو الذي حدث في الغرب فساهم في إحداث الاختلال والأزمات والفساد المالي وانتشار الفقر وتلوث البيئة والحروب وفي ذلك حديث آخر ونأسف مسبقا على الإطالة واللوم يقع أيضا على زميلي المحترم د. على قساسية صاحب الفضل في الملاحظة .     

د. عبد الرحمن عزي

الشارقة ، 25-3-2014