من وحي ما قاله سعداني: فرضية الأجندة الخارجية

كمال بلكين
   
    في فرضية تقدمت بها حركة البناء ويشاركها فيها آخرون تلميحا وتصريحا: ما يصرح به "الأمين العام" ل ج.ت.و1 " خدمة للأجندات الخارجية ".  إن صحت هذه الفرضية، فما هي مجموعة المؤشرات التي يمكن الاعتماد عليها للقيام بعملية تحديد ( ولو جزئي وغير نهائي) لمصدر الأجندات المفترضة ومحتواها؟
       للإجابة على هذا السؤال، من الممكن اعتماد طريقة جمع ما يفترض انه مؤشرات لإعادة ترتيبها، مع ما ينتج عن هذه العملية من منحها معنى وفق النظرية السميوطيقية العامة.
أولا : ينتمي مصطلح "الدولة المدنية"  إلى مجموعة المصطلحات التي يتحاشى استعمالها من طرف الساسة الرسميين في الجزائر، احتراما لتقاليد لغوية لتجربة سياسية سياقية خاصة، وليس هذا نشازا في الحيز الدول، فلما يوصف بأعرق الديمقراطيات     أي بريطانيا تقاليد خطابية خاصة ب "المؤسسة"، فيفترض منهجيا أن كسرا للتقليد هو محاولة لكسر المؤسسة ( إلغاء، تغيير جذري، تجاوز، تعويض..الخ)، فما الذي يقصده السيد سعداني بالضبط؟
   وبغض النظر عن التناقضات التي يمكن تكشفها المناقشة الداخلية للمصطلح وظروف إنتاجه بأسئلة من نوع : من قال؟ منذ متى حدث تجانس بين سلوكيات ومقولات المرسل؟ ما هو ماضيه النضالي في سبيل المفهوم؟ هل يمكن  أن يعكس حاضره إيمانا بالمفهوم ( اجتماع بقائد الأركان، تهرب من الصحافة، إسراع في إنهاء الاجتماعات وانتهاج سياسة فرض الأمر الواقع دون المرور بأي نقاش)  فإننا سنمر إلى محاولة استكشاف القيمة التداولية السياقية للفعل الكلامي، في إطار العملية التواصلية :  هل حدد المرسل مخاطبه بدقة؟ هذا ما يمكن الإجابة عنه بالإيجاب، فاسمه مذكور في الجملة الآتية : " أنا في حماية الشعب". هل يمكن أن يفترض أن ما يقصده  بمفهومه من أثر الفعل الكلامي هو "دغدغة" لعاطفة شعبوية ما، انتظارا لفعل حقيقي ما من المخاطب؟ باستعمال نفس الجملة السابقة نجد أن ما ينتظره من المخاطب هو القيام بفعل الحماية في "خطاطة الحكاية" : حيث يندمج المساعد مع البطل لقهر الشرير، الذي يتمثل كما صرح بذلك في المؤسسة المستهدفة.
2 ثانيا : يربط أحد أعضاء اللجنة المركزية ضمنيا مصطلح الدولة المدنية بمصطلح الثورة.
   نتيجة أولية : الدولة المدنية+ الثورة . لقد بدأ اتضاح الشبكة المفاهيمية.
   عندما نصل إلى هذا الحد من البحث تبدأ العملية الذهنية الفرزية لقائمة "الجهات" المسوقة لمثل هذه المفاهيم، وأدع لكم بعض الوقت للتخمين.
 ثالثا : على الموقع الرسمي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات3 ( أحد عرابي "الثورات" العربية") نجد :
 لا تقوم ثورات إلا إذا توفرت عناصر نذكر أهمها:  أنه
حدوث انشقاق داخل الجيش.   -
 قيام مجتمع مدني كسلطة مضادة بمشروع دولة.  -
   فإذا لم ترد وزارة الدفاع الوطني بصفتها مؤسسة على ما يطال بعضها فهي قد تتخلى عنه فيما يتنافى قطعيا مع الأخلاقيات العسكرية، وقد يؤدي ذلك إلى تحقيق الشرط المذكور.
    كما قد يكون ما يقوم به السيد سعداني من تركيز على قوى اجتماعية معينة ( صحافة، أحزاب) لإحداث استقطاب ما مؤديا إلى تحقيق الشرط الثاني من قيام مجتمع مدني كسلطة مضادة في استنساخ لنظرية المجتمع المدني في صيغتها المستعملة في نهاية الثمانينات لتفكيك المعسكر الشرقي.
   رابعا : ورد في جريدة الخبر الجزائرية، في تقرير لقائد الأركان " التحديات الأمنية التي فرضها الربيع العربي"4، وهو اعتراف لغوي بديناميكية سياسية معينة كان من الممكن التعامل معها بصيغة أخرى، ولكن الأسلوب كما هو يمكن أن ينم عن الحالة السيكولوجية التي خلفتها هذه الديناميكية..
     من الممكن الآن جمع الكلمات المفاهيمية، حسب درجة قوتها الاحتوائية السياقية : الربيع العربي، الجزائر، انشقاق في الجيش، الدولة المدنية، استقطاب القاعدة الاجتماعية، الثورة..
      إن صح هذا الجمع فإن ما يقوم به السيد سعداني، عن وعي أو دون وعي، هو توفير لشروط إنتاج الظاهرة اصطناعيا، وفق البرنامج المعياري الذي يقترحه عرابو "الثورات"، التي يرفض د. خير الدين حسيب تسميتها إلا بانتفاضات عشوائية، منشطة لمظاهر ما قبل الدولة من بنى وسلوكيات. ألا تتزامن هذه الحزمة المفاهيمية مع ما نرى من أمثلة إمبريقية مما حدث في ولاية غرداية مثلا؟5
خامسا: إن توفر " علاقة حميمية خاصة" منطوية على "رصيد عاطفي"6 بين الرئيس بوتفليقة والشعب، مع تواجده في وضع صحي حرج، ومع انتهاز فرصة فرضية وجوب ضمان نزاهة الانتخاب، في جو من الإحساس بأن ذلك من "التحديات المفروضة"، جعل البعض يراهن على استغلاله لصالح "مجموعة" يمكنها في وقت لاحق تجسيد النموذج المصري ( حسني مبارك) أو الليبي (معمر القذافي) أو التونسي ( زين العابدين بن علي)، مما يجعل إمكانية  الانتفاضة ضده واردة بحكم خصائصه الذاتية.
سادسا : ما دامت المؤسسة العسكرية متماسكة فنجاح هذه الخطة محل ريب ولا بد من قيام شخص أو مجموعة أشخاص من داخل السراي بإحداث شرخ ما ولو بسيط فيها، يكون كفيلا بكسر حاجز الخوف الذي يعتبر شرطا رئيسيا لقيام ما يسمى "الثورات"، فهل يمكن أن يفترض أن ذلك ما يقوم به السيد عمار سعداني؟
سابعا : بدأت جهود "الأمين العام"  تأتي أكلها متمثلا في اغتباط بعض المناضلين الفعليين ( وإن كان عددهم في الأصل قليلا) على درب الديمقراطية الطويل بنظريته وفعله، وشرع أصحاب الأجندات على أرائكهم الوثيرة، في علبهم الفكرية، في فرك أيديهم فرحا، فهم يعلمون أن ما يقولونه بالوكالة حق يراد به باطل حسب القول المأثور، لكن هدفهم المهم في برنامجهم المعياري  المتكامل  متمثلا في "إحداث استقطاب داخل النخب المثقفة" بدأ يكتسب ملامح واقعية.
ثامنا : إن "تجديد قاعدة الشرعية وتوسيعها"7 من جمل الأفعال الكلامية المستعملة لإنتاج الظاهرة في الجزائر، ويتناغم هذا  حسب ما شرحناه مع ما يقوم به السيد عمار سعداني، لأن الشرعية الثورية المدعمة بالقضاء على الإرهاب وبتفعيل قيم اجتماعية عريقة، والتي يمكن أن تسند بالكفاءة والعمل، قد تؤهل الجزائر  للتحول إلى وحدة سياسية قوية وفعالة8، أما توجيه الهيئة الناخبة إلى "مجموعة" ذات خصائص داخلية هشة لا تؤهلها للاحتفاظ بشرعية السلطة على المدى البعيد فذلك يعبد الطريق أمام إمكانية الانتفاضات العشوائية المفتقدة للمعالم ولإرث الدولة التي تكون إذاك قد انتهت "دورتها الوجودية" مع تصفية كل ما يمت إليها بصلة، من مؤسساتية نظرية وعملية، وقد يكون من طرق تحقيق ذلك انتهاج "الشخصنة" خطابا وسلوكا.
     ليس مافعلته هنا إلا محاولة لتدعيم موضوعي لفرضية معينة، عن طريق التحليل والتركيب، محاولة قد تكذبها الأيام والوقائع وقد تصدقها.  

                                                              06/02/2014 (23:00)
                                                                               
    إحالات :
 1- النص الكامل لتصريحات السيد عمار سعداني توجد على موقع
                                                               2- خرجة سعداني أكبر من الثورة ، الخبر ع : 7336بتاريخ 06/02/2014
3- الموقع الرسمي للمركز :
- الخبر نفس العدد السابق.   4
5-  De Tiguentourine à Ghardaia ; l’acte II de partition de l’Algérie , le soir , n° 7095 , le : 06/02/2014
6- www.dohainstitute.org 6
7- نفس المصدر
8- تخوف البعض من تحول بعض الدول إلى مايسمى نموذج هوبز، انظر مثلا :
http://www.nytimes.com/2013/05/05/opinion/sunday/friedman-this-aint-yogurt.html?_r=0

قارن هذا مع ما قاله السيد  العربي ولد خليفة :  " البعض يتخوف من تحول الجزائر إلى بروسيا"