محمد ( صلى الله عليه وسلم ) محاورا

باديس لونيس
 
مع حلول  مناسبة المولد النبوي الشريف من كل عام، تتعالى الأصوات المختلفة حول شرعية الاحتفال به، وينغمس الجميع في الشتم والسبّ واستعراض قدرات القدح والتعريض، واتهام الفريق الآخر بالبدعة والضلالة، وينسى الجميع في خضمّ كل ذلك الاختلاف الخالي من الرحمة، العمل بسنّته وتمثّل آداب معاملاته، واستحضار سلوكه الحواري الراقي المبني على قواعد ذهبية لعل من أهمها الإخلاص في النية من اجل الوصول إلى الحق، والبعد عن التعصب للرأي، واحترام شخصية المحاور ورأيه، والبعد عن الطعن والتجريح، والاعتماد على الأدلة المنطقية، وانتهاج منهجية علمية، والتحلي بالصبر والحلم والهدوء والرفق، والموضوعية والصدق.. فما أحوجنا اليوم لإلقاء نظرة ولو سريعة على مشاهد عظيمة من سيرته العطرة، عسانا نتعلم كيف نحاور من نختلف معه.
لقد درج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على ممارسة الحوار مع ذاته في غار حراء بتأملاته وتساؤلاته وبحثه عن الحق، ومع جبريل عليه السلام بعد ذلك، ومع الملإ الأعلى، ومع زوجاته وبناته ومع أصحابه ومع الصبيان، ومع خصومه من أهل الكتاب (يهود ونصارى) والمنافقين والمشركين ومع الحكام وقادة الجيوش. وكان في كل موقف يتخذ أسلوبا مناسبا للطرف المحاوَر وخاصا بالسياق الذي يحدث فيه هذا الحوار.
ففي بداية دعوته، أين كان السياق حرجا وكان لابد عليه أن يصمد وان لا يقدم تنازلات عقدية للطرف الآخر، نجده يحاور عتبة بن ربيعة بكثير من الصبر والحلم والإيمان بقضيته، حتى عاد أبو الوليد بعدها إلى قومه يطلب منهم أن يخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، ليتهموه بأنه قد سُحر بلسانه. ثم لنلقي نظرة على موقف آخر كيف يحاور الرجل الذي جاء يستفتيه عن امرأته التي ولدت غلاما أسود، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألك إبل؟ فقال نعم، قال فما لونها؟ قال: أسود، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم: قال فأنّى ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرقه، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرقه.
وتبدو حكمته صلى الله عليه وسلم أكثر تجليا وبعد نظره أكثر وضوحا، مع حواراته المتعددة في مفاوضات الحديبية مع كفّار قريش المتمسّكين بأبسط الشروط، والباحثين عن أتفه الأسباب لعدم إقامة الصلح، ومع بعض أصحابه الذين لم يستسيغوا بادئ الأمر تنازلاته رغم تموقعه موقع القوة لفرض منطقه، ولكن تفكيره الاستراتيجي البعيد عن المرحلية والآنية جعله يفتح مكة بعد أقل من ثلاث سنوات من هذه التنازلات التي لم تكن أبدا في الدين والعقيدة/ القضية، وإنما كانت من متطلبات الأوضاع السياسية، وإدارة اللحظة.
ولعل من أشهر حواراته صلى الله عليه وسلم مع المختلفين معه هو ذلك الحوار المشهور الذي جمعه مع وفد نجران من النصارى الذين وفدوا ليعارضوا ويحاجوا في أمر عيسى بن مريم عليه السلام في السنة العاشرة من الهجرة، وسمح لهم الرسول الكريم بضرب الناقوس والصلاة في المسجد النبوي، فلما فرغوا دنوا من رسول الله، فقالو: إلى ما تدعو؟ فقال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن عيسى عبد مخلوق، يأكل ويشرب ويحدث". قالوا: فمن أبوه؟ فنـزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قل لهم: ما تقولون في آدم، أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟" فسألهم النبي فقالوا: نعم، قال: "فمن أبوه". فبهتوا فأنزل الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.
كم كان عظيما صلى الله عليه وسلم، ومدركا لدور الحوار وأسلوبه في إقناع أكثر الناس اختلافا معه، وفي طمأنة أكثرهم حيرة، وفي إرشاد أكثرهم تيها، وفي مواساة أكثرهم حزنا، وفي رص أكثر الصفوف انشقاقا.
ولكن ماذا حدث بعد موته صلى الله عليه وسلم؟ إن المتأمل للتاريخ الإسلامي الطويل - قديما وحديثا- لن يجد صعوبة في الوصول إلى أن غياب الحوار في مختلف المراحل التي كان وجوده فيها حيويا، هو سبب نشوء النزاعات وظهور القلاقل والحروب، وهو ما أدى إلى تفريق شمل الأمة ، وتبديد طاقتها، وإضعاف قوتها، لحساب صراعات هامشية. أما المضحك المبكي في الأمر، أن نسبّ اليوم بعضنا البعض -اختلافا على شرعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف - بحجة الحرص على إتباعه صلى الله عليه وسلم!