من حدائق اللغات والبشر*


كمال بلكين
 
أهدى كاتب جزائري رواية له إلى آخر فرد متحدث بلغة انقرضت بموته، قد لا يرى فيها الهوس المادي إلا أداة قديمة صدئة "لا فائدة" منه، ويرى فيها إنسان "صديق" الإنسان، بعد أن نسي انه أخوه، خزانة من إبداع تم بعد جهد، قد ندركه ونحن نتخيل المتحدثين الأولين بها، وهم ينحتونها كلمة كلمة وتركيبا تركيبا، ثم استوت ...نظاما، صار أداة، للأسف صدئة، لا بأس من قبرها كما يرى البعض.
 لا أحبذ أسلوب "الضحية" في الحياة، ولكن مؤشرات تقول بأن لغات معينة في هذا العالم سيكون مصيرها ما حدث للغة صديق الكاتب الجزائري، كما أن ثمة مؤشرات تفيد بأن أخرى ستعيش وستحيا وسترفد الإنسانية بخبرة ما، يراها البعض يسيرة، ويراها آخرون -مثلي- مهمة منذ ان فهمت أن كل الأنظمة العلاماتية تحوي فلسفة ومناهج، قد تكون "بدائية" كما يرى تايلور، وقد يكون لها منطقها النسقي كما يعتقد ك.ل. ستروس.
 من المؤشرات التي تجعلنا نفكر في أن لغة مثل الأمازيغية ستحيا هو ما نراه من جهد لوضع "نحو أنموذجي" لها، تحوي بنيته الثابتة كل تراكيب اللغة وبنيته الدينامية إمكانيات التولد ، وما نراه من إصرار على "استعمالها" لتكريس بعدها التداولي، الذي يمنحها فرص البقاء والتطور والإفادة. قد لا أكون عالما باللغويات الأمازيغية مثل سالم شاكر، كمال نايث زراد وآخرين، ولكن الوردة البربرية التي ستحظى بمكانتها في حديقة الورد اللغوية ستمر -فيما اعتقد- بدرب "النحو النموذجي". سنكتشف كما اكتشف غيرنا أن المحكية العربية في شمال إفريقيا بنيت في أغلبها على قوالب بربرية، إلا ماكان منها محتفظا بنقائه متحدرا من لغة مضر، وهو قليل إن صدق ع. ابن خلدون وأظنه كذلك. وإن كان التركيبان النحويان في النهاية من نفس العائلة اللسانية، أفلم يترك ذلك بنى نفسية متقاربة؟ لو كان ج. لاكان حيا لأجاب فورا : "فرضية علمية مشروعة" .
هل نسي الإنسان أنه أخ الإنسان حتى يبتهج كلما عرف أن بعض الإنسان صديقه؟ وكم ...يحتاط.

  خاص للمدونة*