التجربة الصوفية والمعرفة

تمثل التجربة الصوفية في التراث الإسلامي، في جانب منها على الأقل، ثورة ضد المؤسسة الدينية التي تحولت إلى مؤسسة سياسية اجتماعية مهمتها الأساسية الحفاظ على الأوضاع السائدة ومساندتها من خلال آليات إنتاج معرفية ثابتة يقف على رأسها "الإجماع" ويليه "القياس". وإذا كانت مصادر المعرفة –وهي القرآن والسنة- مصادر لا خلاف عليها بين المتصوفة والفقهاء والمتكلمين المسلمين فإن الخلاف بين الاتجاهات الثلاث يتمثل في ترتيب آليات استنباط المعرفة وإنتاجها من هذه المصادر.
ففي حين يركز المتكلمون على أهمية "العقل" على خلاف بينهم في ترتيب العلاقة بينه وبين "النقل"، يضع الفقهاء "العقل" في درجة أدنى من درجة الإجماع. ولا مجال عند المتكلمين والفقهاء للتجربة الروحية، وهي محور الخلاف بين المتصوفة وغيرهم؛ إذ يعتبر المتصوفة أن "التجربة" الروحية الشخصية الذاتية هي أساس المعرفة الدينية. وفي حين ينشغل المتكلمون والفقهاء بقضايا سياسية واجتماعية وينخرطون في إطار إنتاج معرفة مؤسسية، يلوذ المتصوفة بتجاربهم الروحية التي تحاول استعادة تجربة "النبوة" ذاتها في إطار "تأويلي" للشريعة النبوية.
- نصر أبو حامد: هكذا تكلم ابن عربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002م، ص23.