الصحافة الورقية في زمن الفايسبوك


باديس لونيس
Badis.lounis@gmail.com

عرفت الساحة الإعلامية الجزائرية مؤخرا ظهور عدة عناوين صحفية جديدة، وهو مبدئيا وتجريديا حدث محمود ومؤشرٌ صحيّ على الإثراء والتنوع والتعدد. ولكننا إذا ما وسّعنا في مسافة النظر وارتفعنا بعدسة الرؤية وربطنا هذا الحدث الثقافي الإعلامي بالمتغيرات العالمية على المستوى الكلي للظاهرة الإعلامية، سنجد أنفسنا أمام سؤال حيوي مهم مفاده: ما هي الإضافة التي ستأتي بها هذه العناوين وما هي الأغراض الحقيقية التي جعلت الواقفين وراءها يتخذون قرارا جريئا بدخول مغامرة إنشاء جريدة جديدة؟

أجل، هو قرار جريء عندما نعلم أنه قد جاء  متزامنا مع إعلان مؤسسات صحفية عالمية كبرى عن نيتها التخلي عن طبعتها الورقية والاكتفاء بالطبعة الالكترونية على مستوى مواقعها على الانترنت، كما هو شأن المجلة واسعة الشهرة "نيوزويك"، وأخرى ترجمت نيتها فعلا على ارض الواقع  مثلما هو الشأن مع صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" التي يزيد عمرها على 100 سنة، ومجموعة "كوكس" التي أغلقت مكاتبها وهي التي تملك 17 صحيفة.
أجل هو قرار بمثابة السباحة ضد التيار، فالتيار/ الطرح السائد الآن والأكثر سيطرة على العقول وأخذا للقلوب لا يفتأ يرتّل وِرد اقتراب نهاية كل ما هو ورقي لحساب كل ما هو رقمي. وكافرٌ بالحتمية التكنولوجية كل من تجرّأ وكذب هذه النبوءة، بل ومجنون "عتلّ بعد ذلك زنيم". وكل الأوصاف الرجعية التي نعرفها ولا نعرفها ستصبح من  صفاته وسيصبح هو أهلا لها.
أجل هو قرار انتحاري، إذا ما عرفنا أيضا أن الإشهارات شريان حياة الصحف قد غيرت وجهتها بجدية أكبر نحو الالكتروني ودائما على حساب الورقي، فقد أشارت دراسة نشرتها مؤخرا شركة (eMarketer) المتخصصة في الإعلان، إلى تفوق الإنفاق الإعلاني على الانترنت للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية على الإنفاق على الصحف والمجلات.
ولكن، دعونا نتحرر قليلا من الحماس الزائد الذي تصيبنا به الأرقام والأقلام، ولنلقي نظرة تاريخية إلى تطور وسائل الإعلام. ألم يسد الاعتقاد بعد اختراع الإذاعة بنهاية الصحف؟ أولم يحدث ذلك أيضا مع اختراع السينما وظهور التلفزيون؟ بلى، مع ظهور كل وسيلة إعلامية تعالت الأصوات الناعية للوسيلة القديمة، وفي كل مرة نكتشف كذب النبوءة. ونقف على حقيقة استمرارها. لماذا؟ ببساطة لأن لكل وسيلة خصوصيتها ومزاياها. وللجرائد حضور ثقافي ورومانسي لا يمكن تجاوزه بسهولة.
ولعل أكثر مزاياها اعتمادها على المكتوب. وفعل القراءة في عرف المتخصصين فعل حضاري بالأساس وازدهار الحضارات والحضارة الإسلامية بالخصوص ارتبط أساسا بعصر التدوين، فالقراءة فعل منشط للعقل، صانع للوعي، فالقارئ وهو في عملية تلقي وفك الرموز، يبذل جهدا فكريا يجعله في حالة نشاط ذهني مستمر، وهو ما يكسبه في مرحلة ثانية ملكة التحليل والتفسير والنقد. على العكس من ذلك مع  التلفزيون والانترنت مثلا المرتبطة أساسا بالصورة والتي ربطها عبد الرحمن عزي بخسوف المعنى مستدلا على ذلك بالدراسات الكثيرة التي أثبتت أن طغيان الصورة خاصة التلفزيونية قد اضعف العديد من الفضاءات الثقافية والقيمية المرتبطة بما هو رمزي أو مجرد في المجتمع. بالإضافة إلى تأثيرها السلبي على الأداء الدراسي وانتشار العنف، كما أنها تضعف القدرة على التفكير وتنمي الكسل الذهني.
ويبدو الآن أن التحدي الذي بات يواجه الصحافة المكتوبة هو مدى قدرتها على استغلال خصوصيتها بالإضافة إلى ما تتيحه الوسائل الأخرى من مزايا، خاصة منها الانترنت، فالتواجد على مستوى موقع في هذه الأخيرة أضحى أكثر من ضروري، كما أن استخدام الشبكات الاجتماعية (موضة العصر)، وعلى رأسها الفايسبوك والتويتر صار أمرا محتوما، وذلك للترويج لنسختها الورقية ولبناء جسر من التفاعل المباشر مع القراء وتلمس رغباتهم وتوجهاتهم واستشفاف آرائهم وانطباعاتهم.
إذن، فإنشاء صحف وجرائد ومجلات جديدة، حتى لا يكون ضربا من الجنون أو الانتحار، يجب أن يكون على أساس معرفة شاملة لمكونات الساحة الإعلامية ووعي كامل لمستجداتها والتحديات المنتظرة، ثم يلي ذلك تحديدا دقيقا للدور المنوط بها. وأدوار الصحافة المكتوبة كثيرة ومتجددة ولا يمكن بأي حال من الأحوال القول بانتهائها وعدم جدواها. خاصة إذا انطلقت من فكرة إفادة جمهورها وإشباع حاجاته المختلقة (المعرفية، الثقافية، الاجتماعية، العاطفية، الترفيهية) من منطلق قيمي، لا إثارة غرائزه واستغلالها والمتاجرة بها.