الإمبرياليـة الإعلانيـة وتسـويق الأوهـام


د.عبد الوهاب بوخنوفة
تشهد المجتمعات المعاصرة حضوراً قوياً ولافتاً للإعلان فاللوحات والأفلام والومضات والعلامات الاعلانية تحيط بالفرد فى كل مكان وفي كل وقت، وحيثما ولي الفرد وجه يقع نظره على لوحة إعلانية، وحيثما كان الفرد تطارده الرسالة الإعلانية وتدركه؛ لقد أضحت منتجات الاعلان جزءً من الاشياء التي تؤثث محيطنا الحضري والرمزي ولا يوجد اليوم فضاء من الفضاءات الاجتماعية المختلفة لم يلجه الإعلان حتى أن فضاء المدرسة المقدس الذي ظل لفترة طويلة بمنأى عن الهجمة الاعلانية تُفتَح ابوابه اليوم عنوة على مصراعيها أمام هؤلاء الفاتحون الجدد(1).

والواقع ان سيطرة الصناعة الاعلانية قد بلغت حداً لم يعد ممكناً معه لأي اقتصاد وأي ثقافة الإفلات منها، وقد انضمت إليها أو توحدت معها الممارسات الثقافيـة التي كانت مستقلة في ما مضى، فلم يعد الاعلان مجرد تقنيات تستخدم وتوظف من اجل الترويج للمنتجات والسلع والخدمات المختلفة، بل أضحى ظاهرة ثقافيـة بارزة، وسمة من السمات المميزة لمجتمع معاصر يوصف ـ عن حق أو باطل ـ بكونه مجتمعاً استهلاكياً يعكس كل خصائص حضارة تقنية تتحول تدريجياً إلى حضـارة استهلاكيـة متآكلـة.
كيف تنجح الإعلانات والوصلات الاعلانية في إقناعنا المستهلك باقتناء منتجات لسنا في حاجة لها ؟ وكيف تُعطِّل أدوات الرقابة العقلية لدينا لتفرض علينا سلعها ؟ وكيف تنجح في توجيه أذواقنا واختياراتنا ؟ وما علاقة الإعلان كنشاط تجاري وترويجي بالهوية والثقافة والقيم في المجتمع ؟ هذه جملة من التساؤلاتالتي نطرحها في هذه الورقة ونسعى إلى تحليلها و لقديم بعض الإجابات لها.
عوامـل نشـأة امبراطوريـة الاعـلان: 
بداية، يمكن القول انه من المفارقات الغريبة المرتبطة بظاهرة الاعلان فى المجتمعات المعاصرة انه على الرغم من تفاقم ظاهرة البطالة والإقصاء والفقر في عديد المجتمعات إلا ان النشاط الاعلاني فى نمو مطرد حيث يشكل هذا القطاع اكثر قطاعات النشاط التجاري نموا فى السنوات الأخيرة ويقدر حجم رقم اعمال الشركات العاملة فى هذا القطاع ببلايين الدولارات كيف نفسر هذا «الزحف» أو هذا «الغزو الإعلاني»؟ يمكن، في الواقع، الرجوع إلى ثلاث عوامل اساسية وهامة لتفسير بروز ظاهرة الاعلان في مجتمعاتنا المعاصرة، والنمو المطرد في أنشطة وتعدد أساليبه، وهيمنته على فضائنا الاجتماعي، وأيضاً التطور الهائل في التقنيات التي يلجأ اليها للتأثير فى الفرد.
يتمثل العامل الاول في الانقلاب الذي حدث فى تطور ا لنظام الرأسمالي نفسه، لقد عرف منذ زمن آدم سميث وكنز وغيرهما من رواد الاقتصاد السياسي بأن العرض يحدد الطلب، كانت هذه هي الآلية التي حكمت صيرورة الانتاج الرأسمالي، الذي كان قائماً على أساس تلبية الطلب الموجود على الحاجات الضرورية والحقيقية، أما بداية من منتصف القرن الماضي، فنشهد لانقلاب في هذه الآلية فلم يعد العرض يحدد الطلب وإنما اصبح الطلب يتحكم فى العرض فنحن نعيش اليوم في عالم اقتصادي يحدد من قبل المستهلكين، ولم تعد السوق الرأسمالية تكتفي، مع تشبع الأسواق التقليدية، وتوفر فائض إنتاج في السلع والخدمات، بتلبية الحاجات الحقيقية للمستهلكين فحسب، انما تسعى وباستمرار إلى خلق هذه الحاجات فى المستهلك عن طريق الرسائل الاعلانية وحملات الترقية والإقناع الثقافي من أجل امتصاص عرض قطاع الصناعة والخدمات.
تنفق المؤسسات الاقتصادية الصناعية والخدماتية اليوم أموالاً طائلة لخلق حاجات لدى المستهلك في صورة بناءات قائمة على «المضايقة الإعلانية» الأبدية لهذا المستهلك، وكنتيجة لذلك، تحولت الاسواق إلى عملية «هدم إبداعي» حيث يطرد منتج منتجاً آخر فى مسعى لخلق حاجات ثانوية على اعتبار بان الحاجات الحقيقية قد تم إشباعها من قبل، وفي هذا العالم الذي تحول إلى سوق عالمية ضخمة فان كل منتج يشير تاريخ انتاجه إلى السنة الماضية يصبح جزء من «ما قبل التاريخ»؛ لا غرابة اذن ان تصبح الأموال التي تنفقها الشركات الاقتصادية لترقية منتج أو سلعة جديدة اكبر بكثير من تلك التي انفقتها اصلا فى انتاج هذه السلعة.
على صعيد آخر، كان الاقتصاد الرأسمالي السابق للمنتجات المادية يستهدف الجسم اما الاقتصاد الجديد للخدمات اللامادية فأصبح يستهدف العقل والروح حيث يركز التسويق «شقيق» الإعلان وحليفه في اساليبه على الرموز اكثر من تركيزه على الاشياء المادية كما يتم التركيز على تسويق انماط حياة وصور اكثر من التركيز على تسويق المنتجات والسلع المادية.
أما العامل الثاني من العواملالتي ساهمت فى بناء الهيمنة المطلقة للإعلان فيتعلق بالتطور الكبير لوسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، ومجيء مجتمع المعلومات القائم على الشبكات الاتصالية والمعلوماتية حيث برزت انماط تلفزيونية جديدة مختلفة عن الانماط التلفزيونية السابقة لعل أبرزها على الخصوص التلفزيونات المتخصصة وظهور ما يسمى بتلفزيون التسوق عن بعد teleshopping إلى جانب بروز شبكة الانترنت الكونية بما تتضمنه من مختلف التطبيقات منها، تلفزيونات وإذاعات الواب، و الصحف الالكترونية، والمواقع التجارية والإعلانية المختلقة ومواقع الشبكات الاجتماعية الواسعة الانتشار والاستخدام.
لعل ابرز ظاهرة انبثقت عن هذا التحول في وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال هي تحول جمهور هذه الوسائل إلى سلعة تأكيدا لتلك المقولة التي تقول بأن التلفزيون لا يبع منتجات وإنما يبيع جمهورا للمعلنين (3 )، وفي الواقع فلقد أصبح هذا الجمهور «المسلع» يخضع للدراسة المستفيضة لمعرفة ميوله، ورغباته، ومواقفه، وأحلامه، بقصد استغلالها في رسم الاستراتيجيات الاعلانية.
ومن اجل استثمار افضل لآخر الممارسات الثقافية (الموسيقى، الموضة، أشكال التعبير الرائجة) تتوسع الرقابة التجارية لتطاول شبكة الانترنت؛ وترتدي المعلومات الخاصة بسلوك المستهلكين اهمية استراتيجية. و على سبيل المثال فقط تمتلك شركة "أميركا اون لاين" معلومات دقيقة نسبياً حول 130 مليون من المشتركين في المجلات (تايم و فورتشن...الخ) وتلفزيونات الكابل (سي.ان.ان) إضافة إلى خدمات الانترنيت التي توفرها (4)
يجب ان نذكر بحقيقة ربما يجهلها الكثير من الناس وهي ان المستهلك هو في الواقع من يمول هذه النفقات الاعلامية دون ان يعى ذلك لان ما تنفقه الشركات الاقتصادية من اموال على الاعلانات تضيفها إلى سعر المنتجات او السلع، وتشير التقديرات بان الفرد يدفع (بدون علمه طبعا ) في البلدان الأوروبية سنويا حوالي 2000 يورو ثمن الإعلانات التي يشاهدها وهو مبلغ يعادل تقريباً قيمة الضريبة المباشرة التي يدفعها الفرد لخزينة الدولة مع فارق جوهري وهو ان الدولة مطالبة مقابل ذلك بتوفير الخدمة العامة للفرد مثل الا من والصحة والتعليم في حين لا يقدم الاعلان شيئاً ولا يستفيد الفرد شيئا مقابل ما يدفعه.
على صعيد آخر، حولت عولمة وسائل الاعلام والاتصال كل فرد أينما كان، و أينما وجد فى أي منطقة او رقعة جغرافية من المعمورة إلى زبون محتمل للشركات الاقتصادية ودريئة مستهدفة للرسالة الإعلانية، ويتخطى الإعلان اليوم الحدود الوطنية ليخاطب جميع الافراد في جميع مناطق العالم المختلفة بلغاتهم ومن خلال مخيالهم متحديا بذلك كل العوائق اللغوية والعرقية والثقافية وخير مثال على ذلك لجوء شركة موتورولا إلى علماء الاناسة ليعلموها كيف تبيع الهواتف المحمولة في أذربيجان وكازاخستان وأوزباكستان.
اما العامل الثالث والأخير فيتمثل في اعتماد الصناعة الاعلانية على اكثر التقنيات تطورا فى مجال استغلال المعطيات و دراسة سلوك الافراد ومعرفة كيفية التأثير في هذا السلوك من خلال الرسائل الإعلانية، وقد أشار عالم الاتصال الكندي المعروف «مارشال ماك لوهان» إلى ذلك بالقول: «لا يوجد فريق علماء اجتماع قادر على منافسة فرق الاعلانات في ايجاد واستخدام المعطيات الاجتماعية المفيدة. يكرّس رجال الاعلانات سنوياً مليارات الدولارات للبحث عن ردود فعل الجمهور واختبارها وتأتي انتاجاتهم بمثابة تراكم هائل لمعطيات التجربة والمشاعر المشتركة في المجتمع»(5).
من جانبه يقول ألن روزنشاين، أحد كبار المسؤولين في الشركات الإعلانية: «يقوم عملنا على فهم العلاقة بين السلع وحياة الناس، ما يشعر به الناس حيال الماركات التي نسوّقها وكيفية جعلها أكثر فائدة». ويوضح انه من أجل تحقيق هذا الهدف «علينا ان نعتمد الحياد الاعلامي في برمجتنا وان نتمكن من تنسيق مهمتنا وتنفيذها بشكل خلاق مهما كانت قناة الاتصال المختارة (6).
تدفع الرسائل الاعلانية الناس دفعا إلى شراء -دون تفكير ودون تردد - سلع ليسوا في حاجة لها وتقدم هذه الرسائل السلع غير الضرورية كما لو كانت حاجات ضرورية، ويعتمد خبراء التسويق والإعلان في ذلك على هذا العنصر الاساسي والجوهري وهو أن يلبي المنتوج ثماني حاجات عميقة لدى الفرد وهذه الحاجات هي كالتالي : يجب أن يدغدغ المنتوج نرجسية المستهلك، وان يقدم له الآمان العاطفي، وان يؤكد له على استحقاقه للمنتج، وان يوهمه بأنه يعيش عصره، وان يمنحه إحساساً، بالقوة والخلود والتميز و الإبداع.
ينجح رجال الاعلان، بالتأثير فى هذه المفاتيح، في جعل منتجاتهم تشترى ليس لفائدتها الحقيقية، أو لكونها ضرورية، وإنما للنقص الذي تعد بسده او ملأه لدى المستهلك، فالرسائل الاعلانية تَعد دائماً للأمور نفسها: الرفاهية، والراحة، والفاعلية، والسعادة والنجاح وهي تلوح بوعد الاكتفاء، تبيع الحلم وتقترح مختصرات رمزية في اتجاه الصعود الاجتماعي السريع، إنها تفبرك الرغبات وتقدم عالماً من العطلة الدائمة فيه الانشراح واللامبالاة مسكون بأناس سعداء يملكون اخيراً المنتج العجائبي الذي سيجعلهم جميلين ونظيفين وأحراراً وأصحاء مرغوبين وحديثين...(7).
ومن جانبه يعلق فريدريك بيغبيدير بنوع من السخرية على هذا التأثير السحري للإعلان حين يقول "كانت الديكتاتوريات السابقة تخاف حرية التعبير وتمارس الرقابة على المعارضة وتسجن الكتّاب وتحرق الكتب غير المرغوبة (...) لكن الاعلان اختار من اجل استعباد البشرية ان يعتمد اللطافة والليونة والإقناع؛ اننا نشهد اليوم اول نظام استعباد للإنسان تعجز الحرية عن مواجهته بل على العكس انه يراهن على الحرية وهذه بدعته الكبيرة، فكل انتقاد يكون مفيداً له، وكل سخرية تعزز الوهم بتساهله المتملق، يخضعك بأناقة، لقد حقق النظام هدفه اذ يصير معه كل تمرد شكلاً من أشكال الطاعة.(8)
الاعلان رسالة ثقافية تروج لنمط حياة 
المعروف عن الاعلان يشكل عام انه ظاهرة اقتصادية وتجارية فما الذي يجعله ظاهرة ثقافية؟ وكإجابة على هذا التساؤل يمكن القول بان الاعلان اصبح ينظر اليه اليوم على انه ظاهرة ثقافية انطلاقا من كونه يسعى إلى الترويج لنمط مجتمع استهلاكي، فلإعلان لم يعد مجرد رسالة تروج لسلعة بل رسالة ثقافية تروج لنمط حياة، ونمط معيشة، ونمط ثقافة، وقد عبر مفكر غربي عن هذه الظاهرة بوضوح حين قال: «لقد تحول الغرب إلى موطن آهل بالمستهلكين، وان الليبرالية الاقتصادية هي اليوم دون شك ديانة الموضة الجديدة، وان أماكن العبادة اصبحت تسمى اليوم مراكز التسوق يؤمها مؤمنون كثيرون، وفيها مبشرين كثيرين أيضاً، «إنجيلها الكتالوج» وان عدم الإفراط في الاستهلاك هو الشيء الوحيد الحرام في هذه الديانة الجديدة»(9).
يستند اعتبار الاعلان كظاهرة ثقافية وخاصية مميزة للمجتمعات المعاصرة إلى عدد من الوقائع منها ان كل انماط الإعلان تحتفي بالمنتج البطل، وان كل الرسائل الاعلانية تركز على مسألة ان الاستهلاك هو مركز ومعنى الحياة، وان الرسالة التي يبثها الاعلان ويعاد نشرها باستمرار هي: أن الإعلان كفيل بحل كل مشاكل الفرد، وان كل أبعاد الكائن الإنساني، القلب والجسد والروح يمكن ان توجد في المنتج، وان العلامات التجارية للمنتجات تزودنا كأفراد بالشخصية والهوية و ان السعادة تتشكل فى نهاية المطاف من جملة من الرغبات الآنيةالتي تبرمج من الصبيحة إلى المساء(10).
على ضوء ما سبق ذكره يتضح لنا ان الاعلان لا يقترح علينا منتجات للاستهلاك بل يتعدى ذلك إلى اقتراح قيم ونماذج سلوكية وثقافية كما يسعى إلى استغلال القيم الانسانية والقضايا العادلة لأغراض تجارية ربحية وهو بذلك يعبر عن فلسفة فجة تسعى إلى تحويل العالم إلى سلعة او بضاعة ؛فالإعلان الذي يسعى اليوم إلى «السطو» على كل القيم الانسانية السامية والرفيعةالتي تحظى بالقبول والتبجيل والتقدير من قبل الافراد فى مختلف المجتمعات الانسانية، يقوم باختزال كل هذه القيم إلى رموز قابلة للاستهلاك ومن شأن هذا المنطق السلعي ان يسوق إلى جعل هذه القيم ذاتها فاقدة لكل معنى، فحينما يتم إشراك عن قصد الاخلاق الرياضية بما تحمله من قيم التسامح والتآخي مع الترويج لمنتجات وسلع تضر بالإنسان كما تضر بالبيئة تفقد بالتأكيد هذه الاخلاق قيمتها ومعناها.
لم يعد خفيا على احد بان الاعلان يسعى اليوم، كلما أتيحت له الفرصة لذلك، لاستغلال المواضيع والقضايا الانسانية الهامة فى المجتمع مثل السلم ومكافحة مرض الايدز وحماية البيئة لأغراض تجارية ربحية. ففي الولايات المتحدة، قلب الإعلان النابض، قامت شركات الأدوية بتقديم عطاءات "تربوية" كبيرة لمساعدة مواقع الانترنت الخاصة بالإرشاد الصحي لكن "في موقع مخصص لسرطان الرئة تعقد طاولة مستديرة حول العلاقات الجديدة تقترح دواء هرسبتون الذي تنتجه شركة غيننتك، راعية الموقع". وليس من المطمئن في شيء ان نعرف ان مجلة Journal of American Medical Association تدير موقعاً حول مرض السيدا برعاية شركة "غلاكسو ويلكوم" التي تصنع علاجات لهذا المرض. او ان تضطر مجلة New England Journal of Medecine إلى الاعتذار لأنها نشرت 19 مقالاً حول الادوية بقلم اطباء مرتبطين مالياً بصناعات الأدوية.
الاعلان وتسويق الاوهام وتخدير الوعي
يتحول الاعلان، من خلال تركيز الرسائل الاعلانية على بث ونشر قيم السعادة عبر الاستهلاك، إلى مخدر لوعي الافراد ويتحول بالتالي من وسيلة لترويج منتجات إلى وسيلة للتضليل والتزييف والرقابة الاجتماعية و تحويل الاستهلاك إلى بديل عن السياسة والثقافة والنقد الاجتماعي وعن كل ما يحول دون تسييس المجتمع ومطالبته بالتغيير.
ويقول احد رجال الاعلان فى هذا الصدد: انه كلما اولى الافراد اهتماما متزايدا بالرسائل الاعلانية كلما تولد لديهم ميلا إلى نفي وجود الأزمة وأسسها الهيكلية، وبالتالي، فإنهم يؤجلون ويتفادون بذلك مواجهة الواقع اليومي الصعب. «فالإعلان يقوم بنشر صورة متوهمة و موهمة بأنَّ الحل الحقيقي قائم في ما تقدمه الوصلات الإعلانية من وعود بالسعادة وتحقيق الاحلام ويزيح بالمقابل الصورة اليومية المثقلة بالحرمان والبؤس في الكثير من مناطق العالم.
يبيع الاعلان كل شيء إلى الجميع من دون تمييز وكأن المجتمع الاستهلاكي مجتمع من دون طبقات. ويؤكد عالم السيمياء لويس كينيل على هذه النقطة بالقول : "في مواجهة عالم يثير القلق يستحضره التلفزيون أمام الجميع، يلوح الإعلان بعالم مثالي خال من أي مأساة، لا بلدان متخلفة فيه، ولا قنبلة ذرية كذلك، لا يعرف الانفجار الديموغرافي ولا الحروب، عالم براءة وابتسام و أنوار، عالم التفاؤل والجنة(11).
هل هي نهاية حضارة الاستهلاك ؟
يتخوف الكثير من المفكرين والفلاسفة ورجال الدين فى المجتمعات الرأسمالية من ان اتساع نطاق ظاهرة الاستهلاك المفرط وهذا النمط المعيشي التي يروج له الاعلان هي مؤشرات تنذر بإفلاس حضارة الاستهلاك، وكنتيجة لهذا التخوف، برزت جماعات اجتماعية في الغرب ترفض الطابع الاستهلاكي المسيطر فى المجتمع وتدعو إلى العودة من جديد إلى الطبيعة والاكتفاء بالحاجات الضرورية والحقيقية، وتنادي بضرورة تحكم الفرد فى جسمه ونفسه ورفض هذا الطغيان الناعم الذي تفرضه الامبريالية الاعلانية.
ليس هناك ادنى شك فى ان هذه المخاوف لها ما يبررها على صعيد تطور المجتمع الانساني ككل وليس المجتمعات الرأسمالية الغربية فقط، فملامح مجتمع العولمة تبرز صورة مجتمع عالمي موجها نحو الاستهلاك سواءً كان هذا الاستهلاك حقيقتا أم مزيفاً، وان النزعة الاستهلاكية التي اصبحت تسيطر على سلوك الافراد قد حولت الاستهلاك إلى غاية فى حد ذاته أي الاستهلاك من اجل الاستهلاك والوهم بان سعادة الفرد تتوقف على مقدار ما يستهلكه، أي الاعتقاد بان السعادة في الاستهلاك وفي مزيد من الاستهلاك كما تعبر عن ذلك روح الرسائل الاعلانية.
ان التخوف من هذا المنحى الذي تسلكه المجتمعات الاستهلاكية اليوم هو تخوف مشروع ويجب ان نعلم بأن الفكر الانساني على مر العصور قد وصف دائما الاستهلاك التافه كخطيئة تبعد الانسان عن الأهم وتسوقه إلى حالة التعاسة، وقد أشار منذ قرون الفيلسوف الإغريقي "ابيقور" إلى كون الطبيعة قد وضعت حدودا للرغبات الطبيعية الضرورية، وان هذه الرغبات يمكن إشباعها بسهولة، في حين أن الرغبات الجامحة هي مصدر لكل معاناة، ولاحظ العلامة عبد الرحمن ابن خلدون من جانبه، بان الإفراط في الاستهلاك يفسد الطباع والأخلاق ويهدد العمران.
أخيرا فان الاستهلاك المفرط، والبحث عن السعادة من خلال الفعل الاستهلاكي تحت تأثير الرسائل الإعلانية والترويجية، من شأنه أن يسوق إلى جعل العمل والربح اسبق على الحياة وبالتالي يسوق إلى عكس السعادة. 
المصدر: مجلة الرافد