الإعلان والايدولوجيا

عندما نتحدث اليوم عن الإعلان، فنحن بصدد الحديث عن صناعة قائمة بحد ذاتها متكاملة الأركان، لها إستراتيجياتها بعيدة المدى، ولها خططها لترسيخ نموذج حياتي شامل، ونظام اجتماعي متكامل، وسلم من القيم المراد نشرها.
إن الحديث عن الإعلان هو حديث عن برامج مدروسة بعناية لقولبة المجتمعات في نمط معين ترسمه وكالات الإعلان الكبيرة بإيعاز من الشركات والمؤسسات العالمية الكبرى.
وتثبت الدراسات العلمية أن المؤسسات الاقتصادية لم تعد تنتج سلعا ثم تحاول الترويج لها وتسويقها عبر الإعلان فحسب، بل تعمل أيضا على صنع مستهلك مهيأ اجتماعيا ونفسيا وسلوكيا لتنفيذ استراتيجياتها على الصعيد المحلي والعالمي.
هذه الحقيقة جعلت جوديت وليامسون تقول: "إن الاتجاه الحديث في صناعة الإعلان لا يهدف إلى تعليم الجمهور كيف يستهلك المنتج، بل يعلّمه المعنى الذي يحمله هذا المنتج أو ذاك، ومن ثم فإن ما يحمله المنتَج من رمز ومعنى يكون أكثر أهمية من المنتج نفسه" (1).
إن هذا الكلام يقودنا إلى التأكيد على أن الإعلان مهما كان نوعه ونشاطه، سياسيا أو ثقافيا أو تجاريا فهو يختزل إيديولوجيا معينة تتخلل مفاصله، قد يتقصد المعلن نشرها وقد لا يفعل. حتى وإن كان ظاهره يقول عكس ذلك.
فالإعلان التجاري مثلا قد يكرس ثقافة استهلاكية من خلال تشجيع الاستهلاك السريع و المفرط، وقد يكرس للثقافة الجماهيرية من خلال الترويج لسلوكيات وأنماط حياتية تفاهية. كما قد يدعو لمعايير معينة كالفردانية والتقليد الأعمى والأنانية وعبادة الجسد... كما أن الإعلان قد يكرس كذلك عامل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الجمهور المستهلك (منتَج موجَّه للأغنياء، وآخر موجه لمتوسطي الدخل، وثالث موجه للفقراء).
كما أننا من خلال دراسة محتوى إعلان ما في بلد ما يمكننا معرفة الإيديولوجيا السائدة في ذلك البلد، فمقدار الحرية، والمنافسة، والاستمالات المستخدمة، وطبيعة المنتج المعلن عنه،... كلها عوامل تدلنا على طبيعة النظام ومن ثم الإيديولوجيا السائدة.
الهوامش:
(1)- محمد بن سعود البشر: أيديولوجيا الإعلام، ط1، دار عيناء للنشر، الرياض- السعودية،1429هـ/2008م، ص56