الأرض الميؤوسة*

هل كان سليمان بخليلي وفريقه يدركون حجم المغامرة التي سيخوضونها؟ وطبيعة الأرض التي سيخوضون عليها هذه المغامرة؟ كان هذا التساؤل قد تبادر إلى ذهني وأنا أتصفح وأعيد تصفح العدد التجريبي من مجلة "الفرسان" الجديدة. ولا أشك في أنه التساؤل الذي طرحه العديد من القراء والمثقفين الذين طالما أصبتهم الخيبة مع كل تجربة إعلامية جدية كهذه التجربة، لذلك جاءت ردودهم مليئة بأصدق الأمنيات والدعوات لله كي يستمر هذا المشروع، ولم يكن من الصعب تلمس كم كانت هذه التمنيات والدعوات محفوفة بالتوجس خيفة من أن تنتهي فجأة كعادة الأشياء الجميلة التي باتت ترسم المشهد الثقافي في البلد.
كنت قد قرأت منذ أيام في إحدى الجرائد التي احترمها للكاتب الذي أحترمه مقالا تحت عنوان "الجزائر والإعلام البحري" راح يستعرض فيه علاقة الجزائريين بالبحر ماضيا وحاضرا، مستغربا عدم وجود اهتمام إعلامي في مستوى وثاقة العلاقة. ولكني بعد إنهائي لعملية القراءة أفقت على لسان حالي يقول: أي إعلام بحري يا رجل! كيف لإعلام لا يهتم بالثقافة يهتم بالبحر؟
الحقيقة التي لا نختلف حولها مهما اختلفت توجهاتنا، هي أن واقع الإعلام الثقافي في بلدنا محزن للغاية، ويثير على الإحباط والقلق والخوف، فنظرة بسيطة على المحتوى الثقافي في وسائل الإعلام المختلفة تكشف لنا مجموعة من النقاط:
1- غياب المجلات و ندرة الجرائد الأسبوعية المتخصصة في الإعلام الثقافي.
2- ندرة الملاحق التي تخصصها الجرائد للمحتوى الثقافي.
3- قلة أو انعدام الصفحات المهتمة بالجانب الثقافي في جرائدنا، وهامشيتها إذ غالبا ما تخصص لها الصفحات الداخلية الميتة وغالبا ما تكون كبش الفداء كلما تهاطل الإشهار على الجريدة.
4- أما التلفزيون فيبدو انه قد فهم معنى الثقافة على طريقته، ويمارسها على أغرب ما يكون وهل هناك أغرب من أن يكون معيار توقيف كل حصة ثقافية هو نجاحها.
5- أما فيما يخص الإذاعة وإن كانت الأحسن حالا بإنشاء إذاعة ثقافية، يبقى قصر مدة البث، ومحدودية ذبذباته يحد من فعاليتها، وقدرتها على صناعة الأحداث الثقافية.
6- تبقى الانترنت هي المتنفس للكثير من المثقفين والغيورين على الثقافة في البلد، ولكن رغم ذلك فإن أغلب المبادرات في هذا المجال مبادرات فردية، ولا تشرف عليها مؤسسات باستراتيجيات ثقافية قوية وفعالة.
7- ثم إن المحتوى الثقافي إن وجد في مختلف وسائلنا الإعلامية غالبا ما يكون عبارة عن مادة خبرية بعثت بها إحدى الوكالات، أو سرقة غير مباشرة من أحد المواقع في الانترنت.
ويبدو أن التبرير الذي سيقدمه القائمون على الوسائل الإعلامية، إذا سألتهم عن سبب تذيّل الثقافة لسلم أولويات النشر عندهم وسبب قولبتها في أخبار الغناء والمغنين، هو تبرير واحد: أن الجمهور هو الذي يريد وهو الذي يفرض عليهم ذلك. وهنا يتحول الفعل الثقافي إلى قيمة تجارية ما يفضي إلى القضاء على قدرته النقدية ويمحي بصمات التجربة الأصيلة الكامنة فيه حسب هوركيمر.
قدم الحكيم الصيني "صن تسو" في كتابه "فن الحرب" مبادئ التعامل مع كل وضعية من وضعيات المعركة فيقول: "في الأرض المشتتة فلا قتال، وفي السهلة فلا توقف، وفي النزاعية فلا هجوم، وفي المفتوحة فلا وقوف في طريق العدو، وفي المتقاطعة الطرق انضم إلى حلفائك، وفي الجدّية (السيطرة على عمق العدو) تجمع واقتحم، وفي الصعبة استمر ثابتا في السير، وفي الضيقة ناور، وفي الميؤوسة قاتل."
فهل يعلم سليمان بخليلي وطاقمه في أي أرض سيخوضون مغامرتهم / المعركة؟

* نشر المقال في مجلة الفرسان، العدد الثالث، من15إلى 30 أكتوبر 2010م، الجزائر.