ماذا عن استشراف المستقبل؟*

أ. باديس لونيس 

مع مطلع كل عام جديد، يحرص الناس في كل مكان على تقديم أحر التهاني وأطيب التماني لبعضهم البعض راجين أن يكون العام سعيدا، مباركا، طيبا وناجحا.. وهي عادة لا اعتقد أنها تضر، ولكن ان تصبح العادة عادة علّية القوم ونخبته وعقله المدبّر، فيتوقفون عند حدود التهنئة والتمني فالأمر فيه قول..

منذ القدم والانسان مشغول بما ينتظره في الغد، وكان عجزه عن الإحاطة بهذا الغد سببا لقلقه الدائم. وللتخلّص من هذا القلق لجأ إلى أساليب الشعوذة والسحر والكهانة..وهو نوع من المعرفة يطلق عليه الانثربولوجيون اسم "العلم الزائف". ودرجة انتشار هذا العلم في مجتمع معين هو مؤّشر على درجة تخلفه. وعلى العكس من ذلك انتشار العلم الحقيقي الذي يستشرف المستقبل على أسس علمية صارمة ودراسات استشرافية عميقة وشاملة. لذلك فقد نشط مثل هذا النوع من الدراسات في الغرب منذ بداية القرن العشرين مع كتاب "اكتشاف المستقبل" لصاحبه ويلز. ومنذ كتاب ألفين توفلر الشهير "صدمة المستقبل" لم يعد استشراف المستقبل هناك عندهم نوعا من الترف، أو لمجرد إشباع الفضول، بل أصبح مطلبا مهما وملحا وضروريا للتكيف القبلي مع المرتقب. أو تغيير المرتقب! حيث يقول دينيس غابور الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1971م "إن أفضل وسيلة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تخترعه".
وانطلاقا من أهمية استشراف المستقبل على اسس علمية، فقد تكاثرت مراكز ومعاهد وجمعيات تضم الآلاف من كبار العلماء مهمتهم الأساسية هي التنبؤ بالغد واستشراف المستقبل القريب والبعيد، كما عقدت العديد من المؤتمرات أشهرها عندما اجتمع في نوفمبر 1992 أكثر من 1600عالم مهموم بمستقبل الجنس البشري، ليصدروا بيانا شديد اللهجة لا تنقصه الجدّية يحذرون من خلاله الإنسانية جمعاء سقوطها في أدران البؤس والشقاء إن لم تُتخذ الإجراءات الصارمة والعاجلة فيما يخص طريقة تعاملنا مع الكوكب، وهو ما ادى فيما بعد بصعود موجة من الدراسات العلمية حول الكثير من القضايا كان أهمها البيئة التي أخذت نصيبا من التناول السياسي والإعلامي وعلى مستوى منظمات المجتمع المدني.
ولأنهم هناك فهموا جيدا العبارة السابقة للحائز على جائزة نوبل، تجدهم مهتمّين مهمومين باستغلال مختلف مؤسسات المجتمع لنشر ثقافة جديدة لدى النشء الجديد، يطلقون عليها "ثقافة التطلع" وهي تعني فيما تعنيه أن الثقافة ليست الماضي فقط، أو الحاضر، ولكن أيضا توقع ما سيحدث غدا، وأن تتوقع ذلك يعني تحكمك في الزمنين الأولين، ونتيجته التنافس لرفع مستوى المعيشة وتحقيق مكانة أرفع وأرقى، وهو ما يساهم في الأخير في رفع مستوى التنمية في المجتمع ككل.
ولا شك ان الأمر جدي ويستحق الاهتمام، فكثير من النعم التي ننعم بها الآن كانت في ما سبق تنبؤات لأحد العلماء توصل إليها عن طريق دراسات علمية، بل كانت في بعض الأحيان خيالا جامحا لأحد الأدباء أو السنيمائيين. وهنا لا يمكن ان ننكر دور الخيال العلمي كأدب أو كسينما في لفت الانتباه إلى كثير من القضايا ودراستها من قبل المختصين، والتفكير فيها بكل جدية.
ولأنهم لا يتوقفون عن التفكير بكل جدية في المستقبل هاهم يصنعونه! وما مشروع "ديزرتك" الخاص باستغلال الطاقة الشمسية الذي ستقيمه ألمانيا في الصحراء الجزائرية، إلا محاولة جدية تكلّف الكثير من الدولارات في سبيل التأقلم مع المستقبل بعد استشراف نهاية طاقة النفط. كما أن شمّنا لرائحة الطعام المعروضة على شاشة التلفزيون لم تعد سوى مسألة وقت، بل ان استخدام راحة وأصابع أيدينا كهواتف نقالة سوف لن يبقى خيالا جامحا أومجرد تنبؤ عن قريب.
أما عندنا، فكثير من الطروحات الانهزامية تقف عائقا ليس فقط أمام اللحاق بركبهم ولكن بالاستفادة من موروثنا وتراثنا، فلا نحن حداثيون ولا نحن سلفيون! أي نعم، نسمع ببعض المراكز العلمية هنا وهناك على مساحة الوطن العربي التي تصف نفسها بالمراكز الاستشرافية، ولكن ماذا قدمت؟ وهل يعرف أو يتذكر أحد منا بحثا مهما قدمته أو غيّرت من خلاله واقعا؟ إن ممارساتها أقرب إلى ممارسات المنجمين، مخطؤون وإن أصابوا في بعض الاحيان، فبحوثهم غالبا ما تكون مجرد انطباعات أو بعيدة عن المنهجية العلمية السليمة أو بحوث جزئية في أحسن الاحوال. والسبب ليس فقط في هذه المراكز ولكن في غياب ثقافة استشراف المستقبل على عموم المجتمع من القمة إلى القاعدة.
في الأخير ومع بداية هذا العام الجديد لا انسى أن أبوح لكم بأكبر أمنياتي وهي أن لا نبقى نتمنى فقط!

ــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر المقال في مجلة الفرسان الجزائرية، العدد الرابع، من 15 إلى 31 جانفي.