الإعلام وصناعة العقول

الحقيقة أن الحديث عن قوة الإعلام وجبروته ليس جديدا؛ فقد كان المادة الخصبة لنشاط الكثير من المشتغلين في المجال الإعلامي وغيره، منذ ظهور الإذاعة واستخدامها الواسع في الدعاية خاصة من قبل النازية في الحرب العالمية الثانية. ولكن الحقيقة الأخرى أن قوة الإعلام لازالت تثير النقاش والجدال، ولازال للحديث فيها دائما بقيّة. خاصة بعد التطورات المذهلة التي شهدتها وسائل الإعلام إن كان ذلك على مستوى الشكل أو المحتوى. فهل كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت تعبث عندما قالت أن شبكة (CNN) الأمريكية هي العضو السادس دائم العضوية في مجلس الأمن؟ وهل يبالغ سليمان إبراهيم العسكري عندما يصف الواقع الإعلامي بالدين الأرضي الجديد ويدعو إلى تحرير أتباعه الجدد؟ أم أنهما أدركا ما للميديا من نفوذ وتأثير يفوق كل تصور؟
سائسو العقول وأسطورة الاختيار
في كتابه المشهور "المتلاعبون بالعقول" شبّه هربرت شيلر مديري أجهزة الإعلام الذين يقومون في أمريكا بوضع أسس عملية تداول الصور والمعلومات، ويشرفون على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها بسائسي العقول، وذلك لأن تلك الصور والمعلومات التي يعمد مديرو أجهزة الإعلام من خلالها إلى طرح أفكار وتوجهات لا تتطابق مع حقائق الوجود الاجتماعي هي التي تحدد معتقداتنا ومواقفنا، بل وتحدد سلوكنا في النهاية. فالحقيقة هي ما تخبرنا به وسائل الإعلام والواقع هو ما يحدده ويعيد تعريفه لنا مالكو هذه الوسائل أمثال اليهودي مردوخ الذي يمتلك 150 وسيلة إعلامية على مستوى القارات الأربع.
فحرية اختيارنا لما نتابعه على وسائل الإعلام ما هي إلا أسطورة حسب شيلر، إذ كيف يكون الاختيار له معنى دون وجود تنوع حقيقي وخيارات واقعية؟ فعملية الاختيار إما أن تصبح بلا معنى وإما أن تصبح منطوية على التضليل، ويصبح احتمال انطوائها على التضليل واقعا عندما يصاحبها الوهم بأن الاختيار ذو معنى.
ويتضح ذلك جليا عندما نعرف مثلا أن 85% من المجموع العالمي للمادة الإعلامية المتدفقة تسيطر عليه أربع وكالات أنباء غربية فقط هي: ( اسوشيتد برس، يونايتد برس الأمريكيتين، رويتر البريطانية، وكالة الصحافة الفرنسية). لذلك لا تستغربوا إذا تشابه عليكم الأمر وراودكم الإحساس بأن الأخبار التي تشاهدونها على مختلف القنوات كأنها نفسها، وكأن يدا واحدة قد صبّتها لترسم مشهدا واحدا على مختلف الشاشات الغربية والعربية. لأنها حقا هي كذلك وأنتم لا تتهيؤون.
وكيف تتهيؤون ذلك والإعلام العربي يقف في ظل هذه السيطرة والاحتكار - في مشهد مأساوي- وقفة مارد في حجمه ولكن بعقل طفل صغير في محتوياته وأهدافه وطموحاته، فآخر الإحصائيات تقول مثلا أن هناك 1100 محطة فضائية عربية تزين سماء المشاهد العربي، وتكلف 6.2 مليار دولار سنويا، لكن من دون أن تستطيع صناعة أخبارها ولا تقديم منتجها الإعلامي الذي يستقطب وسائل الإعلام الغربية ويقنعها بالتسابق عليه. ولا أن تحاول فك الارتباط بمحتكري المصادر والأخبار ولا أن تكف عن استيراد أغلب موادها الإعلامية من الشركات الغربية. بل العكس تماما هو الذي نشاهده، وما نشاهده هو استنساخ مبتذل لبرامج غربية أو نقل كامل لها على ما فيها من سموم، وتقديمها لمشاهد عربي يتمتع بكثير من القابلية للانبهار بمستوى هذه البرامج الجذاب شكلا أو مواضيعا.
الحقيقة في زمن العولمة الإعلامية
إذن فالحقيقة في ظل هذا المشهد الإعلامي المعولَم هي الحقيقة التي يقدمها لنا الغرب الذي أخذ على عاتقه ترتيب أجندة اهتماماتنا، وصياغة تصوراتنا، وبناء آرائنا ومواقفنا، وإعادة صناعة عقولنا بالترسانة الإعلامية التي يمتلكها، أو بالتي نتوهم أننا نمتلكها نحن! والأمثلة على ذلك كثيرة لعل أهمها ما حدث قبل غزو العراق من حشد رهيب لوسائل الإعلام الأمريكية لإقناع الرأي العام المحلي والعالمي على حد سواء، بالخطر الذي يمثله صدام حسين والنظام العراقي الذي يمتلك أسلحة الدمار الشامل، ثم انخراط وسائل الإعلام العالمية في الدعاية المجانية لذلك، وما كان لوسائل الإعلام العربية من أن تنجو من الوقوع في الفخ بتضخيم هذه القضية عن طريق تناولها للأخبار التي تروج لها وكالات الأنباء العالمية.
كما أن المتمعن في كثير من المصطلحات المستخدمة في الممارسة الإعلامية العربية يجدها تكاد تكون مترجمة عن تلك المستخدمة في وسائل الإعلام العالمية والتي تكوّنت ونضجت في مختبرات وزارة الدفاع الأمريكية، لتجد طريقها سلسا نحو عقول صحفيينا فتتمتم بها شفاههم دون وعي أو تمحيص منهم للتزييف الذي تحمله. والتبرير/المشجب الهلامي الجاهز دائما-إذا تساءلتَ- هو: الموضوعية. وكأنك إذا أطلقت على التواجد الأمريكي في العراق على سبيل المثال مصطلح الاحتلال أو إذا أنت وصفت الفلسطينيين بالمقاومين أو المجاهدين أو الاستشهاديين، فأنت قد خرجت عن مهنيتك! فما يعتبره الإعلام الغربي إرهابا هو الإرهاب، وما يعتبره حقا هو الحق وما يعتبره باطلا هو الباطل.
إنها لعبة صناعة العقول التي تُتقنها الميديا الغربية جيّدا، من خلال تزييف الواقع الحقيقي بإصباغه بمصطلحات لا تمت له بصلة أو بتضخيمه أو تجاهله أو نقل بعضه وترك بعضه، لصناعة الواقع الذي يناسبها ويناسب أجندة مالكيها السياسية والاقتصادية. وساعدتها في ذلك وسائل الإعلام العربية عن قصد أو عن غير قصد عندما اعتقدت أن بإمكانها أن تمتلك بعضا من جبروت الإعلام الغربي فراحت تسير على خطاه وتتبعه كعبد مخلص لا يترك للوسواس مجالا ليوسوس له في مدى صحة دينه. ثم جعلت بعد ذلك تنفخ صدرها تريد أن تظهر في شكل إمبراطوريات مثله! وقد يكون ذلك. ولكن يبقى هناك فرق بين الجانبين يتمثل في أن الإمبراطوريات العربية وفي انتظار أن تتحرر من تبعيتها مجرد زجاج قابل للكسر -على حد تعبير المفكر الجزائري عبد الرحمان عزي- رغم بريقه ولمعانه.