سُلطة الإشهار*

تقول بعض الإحصاءات أن إجمالي الإنفاق الإشهاري في المنطقة العربية بلغ ما مقداره 8ملايير دولار خلال 2008م، مقابل 4.82 مليار دولار في 2007م، لكن مع ظهور الأزمة المالية العالمية تقلص حجم الإشهارات بمستويات كبيرة، ما أثر بشكل مباشر على وسائل الإعلام، وخاصة قطاع النشر المتخصص والمجلات. فقد أدى إلى توقف عدد كبير منها بلغ منذ بداية الربع الأخير من العام 2008م، وحتى نهاية النصف الأول من العام 2009م نحو 103 مجلات منها 52 مجلة توقفت نهائيا عن الصدور مقابل 48 مجلة علقت صدورها بشكل مؤقت بينما تحولت إصدارات أخرى إلى مواقع الكترونية.
إن هذه الأرقام رغم أنها لا تمثل سوى النزر القليل إذا ما قارناها بالأرقام العالمية الضخمة -إن كان ذلك على مستوى الإنفاق الإشهاري أو فيما يخص تبعات تراجع هذا الإنفاق- إلا أنها تكشف بعض النقاب عن السلطة التي بات يتمتع بها الإشهار وتحكّمه في استمرارية أية وسيلة إعلامية، مهما كان حجمها ونوعها. بل إنه يعتبر شريان حياتها فلا حياة لها إذا ما توقف هذا الشريان.
السلطة بيد السلطة
هذه السلطة ما كانت لتخفى عن الحكومات العربية، لذلك فقد كانت لوقت قريب ولحد الآن في بعض الدول، ممسكة بزمامها لتمسك من خلالها برقاب المؤسسات الصحفية فتجازي هذه المؤسسة، بإغراقها بالإشهارات لأنها مدحت أو تملّقت أو برّرت أخطاءها، وتمنعها عن أخرى لأنها تجرّأت، وكشفت، أو تمنّعت، أو حتى لأنها لم تمدح.
فقد كانت ولازالت وكالات الإشهار وكالة واحدة تابعة للدولة، بيدها الإشهار كله، ومن حقها توزيعه على من تحب، وتمنعه عن من لا تحب. وهذا ما أدى في الأخير إلى توقف بعض الصحف والمؤسسات التي آثر أصحابها الوقوف على المبدأ، وانخرطت الأخرى في عملية التطبيل مع المطبلين وهرعت تتسول بعض الإعلانات ضاربة مصداقيتها عرض الحائط. واتخذ آخرون على استحياء موقفا وسطا عسى أن يتغير الحال.
وقد ينطبق هذا الكلام على الجزائر، حيث لا يزال الضباب يسود سوق الإشهار، وهو بذلك يشبه كثيرا ما مر عليه غداة الاستقلال حيث الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى مغايرة وغياب القوانين المنظمة أدخله في فوضى. والآن نحن لا نزال في انتظار قانون خاص بالإشهار يساير المرحلة التي تمر بها البلاد. فلا يعقل أن يسيّر الإشهار وينظم بقانون إعلام 1990م!
المعلنون..ورؤساء التحرير
أما وإن نجت وسائل الإعلام من ضغط الحكومات، فإنها ستجد نفسها بيد سلطة جديدة لا تقل عن الأولى استغلالا لحاجة هذه الوسائل للإشهار، إنها الشركات المعلنة التي أدركت هي الأخرى هذا الواقع مبكرا. وأصبحت تبتزها بشكل مباشر أو غير مباشر لنشر بعض الأخبار أو تجاهل أخرى، وهل تعتقدون أن رئيس التحرير سيزهد في شهر أو أكثر من الإعلانات، لأجل خبر!
فرؤساء التحرير الحقيقيون لهذه الوسائل هم هؤلاء المعلنين الذين يضعون أجندتها ويفصلون خط افتتاحها.فهم الذين يتحكمون في الأخبار التي علينا أن نقرأها والتي ليس علينا قراءتها، ثم إنهم يقدمون إعلاناتهم للمؤسسات الأكثر جماهيرية، ولكي تكون كذلك عليها أن تقدم للجمهور ما يثير اهتمامه لا ما يفيده، طمعا في زيادة العدد على حساب الكيف.
الصحافة والإشهار.. من المحتاج لمن؟
منذ 1625م تاريخ أول إشهار يدخل صفحات الجرائد، وإلى غاية 1838م كان الإشهار ينشر دون مقابل مثله مثل باقي أركان الجريدة الأخرى، وهذا ما جعل مردود بيع الجريدة الواحدة لا يغطي تكاليف صناعتها، أو حتى تسديد الضرائب المفروضة عليها، إلى أن أقر "إميل دي جيرار دان" أن على المعلنين دفع أجر للجريدة، وربطَ بين ارتفاع السحب وأجر الإعلان وسعر بيع الجريدة، وكان هذا القرار نقطة تحول ذات أهمية كبرى في اجتياز أصعب المراحل التي كانت تمر بها الصحافة، كما أنها أقرّت خاصية من أهم خصائص الإعلان الحديث.
لا شك أن للإشهار فضل كبير على الصحافة، فهو الذي نقلها من النخبوية ومن توزيع لا يتعدى الطبقات البرجوازية إلى صحافة جماهيرية واسعة الانتشار، بعد أن ساهم في خفض تكلفة بيع النسخة الواحدة. ولا شك أنه ساهم في رفع قدرة الصحافة على تغطية مناطق واسعة وتقديم خدمة إخبارية مهمة ومفيدة للقراء باختلافهم.
ولكن يجب أيضا على المعلنين أن يعترفوا أن الانتشار الواسع للصحافة قد ساهم ويساهم في إيصال رسائلهم الإشهارية إلى كل بيت، بالشكل والمحتوى الذي يريدون. ولولا الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى ما كان للشركات الكبرى أن تربح ما تربح. فالمعادلة الصحيحة هي كالآتي:
وسائل إعلام واسعة الانتشار؛ يعني إشهار يصل إلى أكبر عدد من الجمهور؛ يعني بيع أكبر عدد من المنتوج؛ يعني ربحا أكبر.
الإشهار يتخذ قراراتنا
إن السلطة التي يتمتع بها الإشهار ليست مقتصرة على وسائل الإعلام فقط، بل إنها أيضا صارت تتحكم في رقاب المستهلكين، فالإشهار هو الذي يحدد لنا حاجاتنا، ويرتّب لنا رغباتنا، وهو الذي يحدد ما يفيدنا وما لا يفيدنا، بل إنه صار يفكر بدلا عنا ويتخذ لنا قراراتنا بالشراء ونحن مسرورين فاكهين، بل إن الإشهار صار يتحكم في مشاعرنا فخرا أو ندما أو فرحا.. وفي غفلة من أنفسنا رتّب لنا أولوياتنا فجعل الهامشي الكمالي و"التفاهي" على حد قول المفكر الجزائري عبد الرحمان عزي ضروريا، والضروري شيء من الكماليات.
إن خطورة الإشهار تكمن أيضا في الوظائف الكامنة التي يؤديها في مجتمع ما، ومنها نشر العولمة، ومن مظاهرها الثقافة الاستهلاكية وتحييد القيم وتقليص المحلي وتوسيع العالمي.. فوكالات الإشهار -خاصة العالمية منها- والمكلفة بمهمة تصميم الإشهارات لكبرى المؤسسات متعددة الجنسيات، بيدها نشر ما تريده باستخدام آخر تقنيات الإبهار البصري والاستمالات العاطفية والغريزية، ونجوم السينما والغناء والرياضة.
ولا يمكن في أي حال من الأحوال تبرئة وسائل الإعلام من الاشتراك في صناعة هذا المشهد، إذ اتخذت من حاجتها للإشهار مشجبا فسلمت رقبتها لمنطق السوق وراحت تنشر منتشية كل إشهار يردها دون حسيب أو رقيب يعيد النظر في محتواها..

* نشر المقال في مجلة الفرسان، العدد الأول، الجزائر،(01 /11/2010م).