الهوية في ظل الشبكات الاجتماعية الالكترونية*

أدى التطور المذهل والمتسارع الذي تشهده تكنولوجيا الإعلام والاتصال بصفة عامة إلى بروز عدة إشكالات على عدة جبهات ومستويات، وأعتقد أن أهم هذه الإشكالات وأكثرها إلحاحا للبحث فيها والعمل على استجلاء أبعادها في الوقت الراهن، هي التأثيرات التي تُحدثها هذه التكنولوجيا على مستوى الهوية باختلاف أنواعها.

حتى أن "مانويل كاستيل" رأى أننا أصبحنا نعيش تنازع قوتين اثنتين من أجل تحوير العالم وحياتنا هما: العولمة والهوية، وذلك بسبب تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتبدل الرأسمالية. ما خلق نمطا جديدا من المجتمع؛ إنه مجتمع الشبكات..(1)
إن هذا الكلام يختزل تماما الإشكالية التي نود لفت الانتباه إليها في هذا المقام ألا وهي: ما هي معالم الهوية الجديدة التي تقدمها تكنولوجيا الإعلام والاتصال وخاصة التطبيقات الجديدة التي تطرحها الانترنت المتمثلة أساسا في الشبكات الاجتماعية الالكترونية المختلفة؟
الهوية.. ذلك المفهوم العصي
يمكن للفرد أن ينتمي على مدار حياته إلى عدة هويات اجتماعية، انطلاقا من تغير قناعاته وظروفه، فبإمكانه أن يغير دينه أو جنسيته أو حتى اللغة التي يتكلم بها، أو توجهه السياسي.. لذلك فالفرد لا يكون "هو" دائما في كل الحالات والمواقف. من هنا كان لزاما على كل المشتغلين على تعريف الهوية أن يعترفوا بصعوبة إمساك كل الخيوط التي نُسج منها هذا المفهوم الذي يرى الكثير من الباحثين أنه "مفهوم قلق من ناحية التناول النظري"(2).
ومن بين التعريفات التي جاءت متناغمة مع ما سبق الإشارة إليه - من المرونة التي تصبغ مفهوم الهوية - نجد تعريف "تاجفل" الذي يرى أن الهوية هي التي تعكس ذلك الجزء من مفهوم الشخص عن ذاته، والذي يتأسس في ضوء معرفته المسبقة بانتمائه لعضوية جماعة (أو جماعات) معينة، وهو ما يقتضي تمسكه بالقيم والأعراف السائدة في إطارها (3).
يقودنا هذا التعريف للإشارة إلى أن الهوية مستويات؛ فهناك هوية شخصية، وهوية وطنية، وهوية قومية، وهوية دينية، دون أن يقودنا هذا التقسيم إلى الاعتقاد بانفصال هذه المستويات عن بعضها حتما على مستوى الفرد. ولكن قد يكون ذلك على مستوى الجماعة التي قد تصنف على أساس الهوية الدينية، أو على أساس الهوية القومية، أو على أساس الهوية الوطنية، فالمواطنون مثلا في دولة كلبنان قد يختلفون في الدين ولكن لا ينزع منهم ذلك الحق في الهوية اللبنانية. وحتما، بقدر ما كانت الجماعة تحمل نفس الهوية على المستويات الثلاث السابقة كلما كان ذلك مساعدا على استقرارها وعدم طرحها لما يسمى بـ "أزمة الهوية".
إنه اتصال جديد.. إنه عالم جديد
إن فكرة أن العالم أصبح "قرية صغيرة" حسب "ماكلوهان" بفعل تكنولوجيا الإعلام والاتصال الحديثة، لم تعد كافية -حسب كثيرين- لتوصيف الواقع الاجتماعي، لان العالم أصبح بمثابة عمارة ضخمة على حد تعبير "ريتشارد بلاك"، بل يذهب آخرون إلى اختزال العالم بأكمله في شاشة؛ قد تكون شاشة كومبيوتر أو تلفزيون أو هاتف نقال. وقد يصبح هذا الوصف الأخير حقيقة لا جدال فيها في السنوات القليلة القادمة حيث تتم كل تعاملاتنا عن طريق الانترنت. خاصة بعد انخفاض أسعار الحواسيب المرتقب، بفعل الأبحاث التي تقوم بها الشركات الكبرى لهذا الغرض. وأولى البوادر جاءت من الهند التي أنتجت في شهر جويلية الماضي حواسيب بتقنية اللمس بتكلفة قدرها 35 دولارا وتطمح إلى تخفيضها إلى 10 دولارات فقط (4).
إن سرعة وحجم انتشار الانترنت في العالم -وإن كان متفاوتا من منطقة إلى أخرى بتفاوت الإمكانات وتفاوت الوعي بأهميتها- لم تشهده أية وسيلة اتصالية وإعلامية أخرى على الإطلاق، وذلك بسبب ما تقدمه من خدمات وتطبيقات استثنائية، ومن أهمها الشبكات الاجتماعية الإلكترونية التي أضحت تستقطب الآلاف بل الملايين من البشر باختلاف أعمارهم ومستوياتهم وأجناسهم وجنسياتهم.
ورغم أن أول شبكة اجتماعية كانت قد ظهرت تحت اسم (six degree) منذ عام 1997م. إلا أن هذا النوع من المواقع الالكترونية لم يلق رواجا كبيرا إلا منذ حوالي خمس سنوات، مع انطلاق مواقع (freindster) و(my space)و (facebook)، التي تقوم أساسا على فكرة بسيطة يطلق عليها "الدرجات الست للانفصال" أي الافتراض أن أي شخص في العالم تفصلني عنه ست درجات (أو أشخاص) وأستطيع التوصل إليه عن طريق هؤلاء الأشخاص (5).
دولة الفايسبوك
لقد أنتجت الانترنت بصفة عامة والشبكات الاجتماعية الالكترونية بصفة خاصة مجتمعات جديدة تماما، أهم سماتها أنها افتراضية بكل ما للكلمة من معنى. مجتمعات تستقطب في كل دقيقة عضوا جديدا.
ولعل أشهر هذه الشبكات هو موقع الفايسبوك الذي أنشأه أصلا طالب أمريكي يُدعى "مارك زوكر" عام 2004م بغية ضم أصدقاء الجامعة، فإذا بشبكته تضم وتبتلع ما يفوق نصف المليار مشترك. من بينهم 15 مليون مشترك عربي، من بينهم أكثر من مليون مشترك جزائري حسب الإحصاءات التي قدمتها مؤسسة "الإعلام عبر الانترنت"(6). كل هذه الأرقام مرشحة للتغير نحو الأعلى في كل ثانية. وهذا ما يجعل المجتمع القائم في هذا الموقع الأكبر على الإطلاق حتى أن أحد الكتاب العرب عنون كتابه الجديد بـ"دولة الفايسبوك"، ويجعل مالكه الأصلي البالغ من العمر 23 سنة يرفض بيعه حتى بمليار دولار!
إنها مجتمعات جديدة..إنها هويات جديدة
إن قيام مجتمعات افتراضية من خلال الشبكات الاجتماعية كشبكة الفايسبوك بهذه الأعداد المذهلة والمتزايدة ودون قيود، يدعونا إلى التساؤل حول الانعكاسات المحتملة على المشتركين فيها، أو بتعبير أصح "على أفراد هذه المجتمعات". خاصة إذا عرفنا أن كل النشاطات المعروفة في المجتمعات التقليدية، يمكن القيام بها في هذه المجتمعات الافتراضية، بشكل أسرع، وفعالية أكبر. بل إن المسافات المادية أو الجغرافية المعيقة لم يعد لها وجود في هذه المجتمعات، فقد تم استبدالها بما يمكن تسميته بالمسافات الاجتماعية.
ولقد وصل قلق البعض من هذا الواقع الجديد إلى توقع أن يتنهي زمن التنوع الثقافي، ومن ثم إعادة تشكيل هويات جديدة في ظل ثقافة غربية مهيمنة، هويات رقمية تفرز مزيجا جديدا من السمات والتفاعلات والتمظهرات الفردية والجماعية في فضاء سايبيري لا حد له ولا قيد عليه. ثم إن ما تتيحه هذه الشبكات من الدخول بشخصيات افتراضية، تدفع الفرد إلى تقمص ذات أو ذوات مثالية، أو "عالمثالية" كما سماها الباحث سعد البازعي، وهي هوية هجين تجمع بين الثقافة المحلية من لغة ودين وموروث ثقافي وشعبي، وثقافة أجنبية بكل مكوناتها(7). وهذا ما يهدد في الأخير هوية الفرد الأصلية من خلال انتمائه للمجتمع الأصلي، ما يطرح في مرحلة ثانية تساؤلا عن مدى شرعية انتمائه لهذا المجتمع (التقليدي). ولعل ما توصلت إليه دراسة حديثة حول "أثر الانترنت على هوية الشباب الجزائري"(8) ، من أن ما نسبته36 % من أفراد العينة يرون أن الانترنت جعلتهم يرتبطون بالعالم الخارجي أكثر من المحلي، لدليل على ذلك.
إن الانتماء إلى هوية "شبحية" سيؤدي حتما إلى انحسار المخيال ومن ثم الإبداعية وابتكار الصور الذهنية لحساب المعرفة السطحية الهشة والصور المعلبة والمصطلحات الفارغة من المدلولات ذات القيمة(9). كما يؤدي إلى تكسير الطابوهات الاجتماعية والثقافية وإضعاف الحساسية اتجاهها على حسب تعبير المفكر عبد الرحمان عزي.
كما أن ارتباط الفرد بالحاسوب أنتج ذاتا جديدة أسماها الدكتور علي رحومة بـ"الانسوب" أي "الإنسان الحاسوب" الذي يشير إلى مركب مبرمج آليا في حالة من التواري والتماهي والتمظهر، في بنيته الخاصة من الأرقام الثنائية(10).
ولكن..
إن ما تقدم من العرض لا يدعونا إلى اعتزال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والتقوقع حول ذواتنا، بقدر ما يدعونا إلى البحث عن مخرج وحلول للاستفادة من المزايا الكثيرة لهذه التكنولوجيا والحفاظ في نفس الوقت على هويتنا. من دون أن ننكر على الهوية حقها في التطور والتأقلم من خلال التفاعل مع الآخر، فالهوية -كما أشرنا سابقا- ليست أقنوما ثابتا.
ولن يتم ذلك بدون المشاركة كفاعلين فعالين في هذه المجتمعات الجديدة، وذلك بإقامة تكتلات عربية إسلامية، وزيادة التدفق المعلوماتي البيني، والتنسيق من خلال الانترنت بين المؤسسات الثقافية العربية المختلفة(11)، وإنشاء شبكات اجتماعية خاصة، أو إنشاء مجموعات عربية أو إسلامية، من خلال الشبكات الاجتماعية المعروفة كشبكة الفايسبوك في حد ذاتها.
ــــــــــــ
*نشر المقال في مجلة العلم والإيمان، العدد 48، أكتوبر 2010م، الجزائر.
- للموضوع مراجع.