الوطنية والمواطنة في ظل الشبكات الاجتماعية الالكترونية*


مقدمة:
سأنطلق في مداخلتي هذه مما حدث في تونس الشقيقة فالانتفاضة/ الثورة الفريدة من نوعها التي نتابع حيثياتها هذه الأيام، هي ثورة البحث عن المواطنة بالأساس. ومن أهم الوسائل التي ساهمت في اشعال فتيلها، وتواصلها هي تكنولوجيا الإعلام والاتصال وبخاصة الانترنت وبالأخص الشبكات الاجتماعية الالكترونية، وبالذات شبكة الفايسبوك التي يشترك فيها حوالي 16.55% من التونسيين، لتحتل بذلك المرتبة الأولى عربيا، فهذه الخدمة أتاحت لهم أهم خصائص المواطنة الغائبة في الواقع وهي حرية التعبير.
ومن هنا ستتمحور مداخلتي هذه حول الوطنية والمواطنة في ظل الشبكات الاجتماعية الإلكترونية.
أولا/ نقاط لابد من معرفتها:
1-إن فكرة أن العالم أصبح "قرية صغيرة" حسب "ماكلوهان" بفعل تكنولوجيا الإعلام والاتصال الحديثة، لم تعد كافية -حسب كثيرين- لتوصيف الواقع الاجتماعي، لان العالم أصبح بمثابة عمارة ضخمة على حد تعبير "ريتشارد بلاك"، بل يذهب آخرون إلى اختزال العالم بأكمله في شاشة؛ قد تكون شاشة كومبيوتر أو تلفزيون أو هاتف نقال.
2- إن سرعة وحجم انتشار الانترنت في العالم -وإن كان متفاوتا من منطقة إلى أخرى بتفاوت الإمكانات وتفاوت الوعي بأهميتها- لم تشهده أية وسيلة اتصالية وإعلامية أخرى على الإطلاق، فقد توصلت دراسة أمريكية أجريت حول الفترة التي استغرقتها وسائل وأجهزة الاتصال المختلفة، لكي تنتشر بين 50 مليون نسمة. تبين منها أن الراديو أمضى 38 سنة قبل أن يصل إلى ذلك الكم من البشر والكمبيوتر احتاج إلى 16 سنة والتلفزيون احتاج إلى 13 سنة أما شبكة الانترنت فقد أصبحت في متناول 50 مليون من البشر في ظرف حوالي 5 سنوات.
3- وتعود هذه السرعة في الانتشار حتما لما تقدمه من خدمات وتطبيقات استثنائية، ومن أهمها الشبكات الاجتماعية الإلكترونية التي أضحت تستقطب الآلاف بل الملايين من البشر باختلاف أعمارهم ومستوياتهم وأجناسهم وجنسياتهم.
4- الوطنية هي: العاطفة التي تعبر عن ولاء الإنسان لبلده .
- انتماء الإنسان إلى دولة معينة يحمل حنينها، ويدين بالولاء لها .
- تعبير عن واجب الإنسان نحو وطنه .
- الوطنية تعبير قومي يعنى حب الشخص، وإخلاصه لوطنه .
- قيام الفرد بحقوق وطنه المشروعة في الإسلام .
5- المواطنة: هي الصلة أو الرابطة القانونية بين الفرد والدولة، وتحدد هذه العلاقة عادة حقوق الفرد في الدولة وواجباته تجاهها.
*إن جوهر المواطنة يكمن في قضيتين أساسيتين:
- مشاركة المواطنين في الحكم.
- المساواة بين جميع المواطنين.
*كما أن المواطنة تقوم على مبدأين هما: التربية والمعرفة.
ولعل المؤسسة التعليمية بمختلف أطوارها هي المسؤولة الأولى على تفعيل هذين المبدأين.
6- الشبكات الاجتماعية الالكترونية: هي مواقع إلكترونية على الانترنت مكونة من ملايين من البشر يتصلون ببعضهم البعض عبر دوائر وشبكات اجتماعية، وتقوم أساسا على فكرة بسيطة يطلق عليها "الدرجات الست للانفصال" أي الافتراض أن أي شخص في العالم تفصلني عنه ست درجات (أو أشخاص) وأستطيع التوصل إليه عن طريق هؤلاء الأشخاص.
7- المجتمعات الافتراضية: يعتبر الباحث هنري رينولد أول من استعمل هذا المصطلح، ويصفها بأنها العناصر الاجتماعية التي تبرز في شبكة الانترنت عندما يواصل عدد كاف من الأشخاص النقاشات العامة خلال فترة زمنية كافية، بشعور انساني لتشكيل شبكات من العلاقات الإنسانية في الفضاء الافتراضي.
8- يعتبر موقع الفايسبوك هو أشهر الشبكات الاجتماعية الالكترونية، أنشأه أصلا طالب أمريكي يُدعى "مارك زوكر" عام 2004م بغية ضم أصدقاء الجامعة، فإذا بشبكته تضم وتبتلع ما يفوق نصف المليار مشترك. من بينهم 15 مليون مشترك عربي، من بينهم أكثر من مليون مشترك جزائري.
ثانيا/ المواطنة في الدستور الجزائري:
تضمّن الدستور الجزائري 41 مادة خاصة بحقوق المواطنة نصت في مجملها على:
- حقّه في الحريات الفردية والجماعية.
- والكرامة
- وحقوق الإنسان المقرة دوليا.
- وحرية التعبير.
- حرية المعتقد.
- الحق في التعليم.
- المساواة بين الرجل والمرأة.
- الرعاية الصحية.
- الحق في العمل.
أما أهم الواجبات، فقد خصص لها الدستور الجزائري 10 مواد نصت في مجملها على:
- احترام القانون.
- وحماية الوطن.
ثالثا/ واقع الوطنية في الجزائر:
نلاحظ تراجع عام في أسهم الوطنية في أوساط الشعب الجزائري وخاصة بين الشباب، ويعود ذلك لجملة من الأسباب لعل أهمها:
- تزعزع الثقة بين المواطن وحكومته.
- عدم وجود وقلة أو ارتباك الاتصال وقنوات الاتصال بين المواطن وحكومته.
- وهذا ما جعل المواطن يشعر بأن مواطنته غير مكتملة، وبالتالي أثر ذلك على مستوى وطنيته.
رابعا/ أهم ما تتيحه الشبكات الاجتماعية الالكترونية:
- حرية التعبير والإدلاء بالرأي.
- القيام بإنشاء مجموعات وجمعيات افتراضية لمعالجة قضايا واقعية في شتى المجالات.
خامسا/ لكن يجب الانتباه إلى:
أن الغرب يستخدمون الفايسبوك مثلا كنوع من الترف أو التنويع، أما نحن فنستخدمه عن حاجة وللتنفيس.
وهنا يكمن خطر الانغماس في الشبكات الاجتماعية، خاصة مع تناقضها مع الواقع الحقيقي، لأن ذلك سيبعث على التنافر المعرفي ومن ثمة الهروب من الواقع، وهو ما يُنتج ذاتا وهوية:
* هجينة.
* مرتبكة.
* غير منتمية.
* شبحية.
- وهو ما يطرح في مرحلة أخرى سؤالا عن الانتماء وشرعية الانتماء إلى المجتمع والوطن الحقيقي.
خاتمة:
ويبدو أن الحل يكمن في التربية المواطنية للنشء منذ المراحل العمرية الأولى، ليتشبعوا بقيم الوطنية، والنظر إلى الوطن كرمز وقيمة، وليس كحاجات بيولوجية يشبعها، هذا بالإضافة إلى:
- غرس الوعي بالقيم الإنسانية المشتركة، وإمكانية الانتماء إلى هوية وطنية لا علاقة لها بالعرق.
- غرس الوعي بالانتماء يجب أن يكون موضوعيا، وليس عاطفيا بحسب.
- أن يقدم تاريخ الوطن بموضوعية، بعيدا عن التمجيد المبالغ للأشخاص.
- تدريس التلاميذ وتعليمهم وتعريفهم بدستور وطنهم، وما ينص عليه من مواد تعني بالمواطنة.

*ملخص مداخلة ألقيت في ندوة حول الوطنية، نظمها قسم علوم الإعلام والاتصال، جامعة الحاج لخضر/باتنة، يوم17/ 01/ 2011م.