أيها البحر، لماذا لم تبتلع جسدي الصغير، وتخفيني عن هذا العالم المخيف؟

أيها البحر الكبير الغارق في عنفوانه،
هذا الصباح وأنا مختبئ في حضن أمي الدافئ، رأيتهم يسرعون إليك بوجوه عابسة أخافتني، لم اخف منك أنت، فقد بدوت جميلا، على الأقل أجمل من الحطام الذي خلفناه وراءنا، لم يخفني هدير موجك، فقد كان حنونا،  بعد  أن أرعبني دوي القنابل في مدينتي.
 لم افهم من همهمات الحاضرين المسرعين إليك شيئا، ولم يكن ذلك يهمني كثيرا، كان يكفيني أن أمي الحنون معي، وكان يكفيها أن تشدني إلى حضنها حتى يختفي الخوف من قلبي الصغير.
وحين امتلأ القارب بذوي الوجوه العابسة التي أخافتني، وأبحرنا فيك، ارتعشت أصابعي قليلا ولكن سرعان ما هدأني هواء عليل وهو يداعب وجنتي، ونورس كان يغني لي غناء لم افهمه ولكني أحببته وتمنيت  من أعماقي لو انه يأتي إلي ويحط على كتفي فأتباهى به أمام أصحابي الصغار الخائفين المرتعبين،

أما أنا فلم اخف، أمي تقول لي دائما بأني شجاع وبأنني سأكبر وسأعود إلى مدينتي واهزم الغول الذي لا يكف عن إخافتنا بقنابله.
ولكني خفت كثيرا حين استيقظت على صراخهم، خفت كثيرا حين رأيت أمي تتخبط وماؤك البارد يحيط بنا من كل جانب، خفت كثيرا وماؤك المالح يلج فمي وانفي ويملؤ أحشائي،
أيها البحر الذي أحببته، لقد جعلتني اصرخ من الخوف، واختنق بمائك،
لم أرد شيئا حينها سوى الاختباء في حضني أمي الذي كان ينقدني دائما، من ملاحقتي أخي أو كلب الجيران، أو أبي وهو يلاعبني،
حضن أمي لم ينقذني هذه المرة.

آه أيها البحر الكبير الغارق في عنفوانه، لم أفهم لماذا كنت قاسيا علينا، ولم أفهم  لماذا لم تبتلع جسدي الصغير، وتخفيني عن هذا العالم المخيف؟

                           عن الطفل السوري الذي لفظه البحر
باديس لونيس