عن فكرة الثورة.. والبراديغم

الأربعاء، مارس 23، 2011

في كتابه "بنية الثورات العلمية" قدّم "توماس كون" مفهوما جديدا لكيفية تطور العلم، مفهوما مناقضا تماما للنظرية التراكمية السائدة من قبل. حيث فسّر تاريخ العلم عن طريق لحظات التأزّم التي يعيشها في تطوره والتي تؤدي إلى ثورات علمية تقلب القناعات السابقة رأسا على عقب؛ وفي هذا الشأن تُمثّل أعمال (كوبرنيك، نيوتن، وأينشتاين) ثورات علمية كبرى في تاريخ العلوم الفيزيائية. وكل واحدة من هذه الثورات تستلزم إلغاء نظرية علمية كانت سائدة ومكرسة في وقتها، واستبدالها بنظرية أخرى معارضة لها وإنتاج نظرة جديدة للعلم سماها توماس بالبراديغم.

هذه النظرة الثورية في فلسفة العلوم وابستومولوجيا المعرفة استُحضرت ووُظّفت وقُولبت في عدة مجالات لوصف الانتقال الجذري من حال إلى حال. وألفين توفلر-عالم المستقبليات الشهير- من بين الذين استعاروها ليصف من خلالها المراحل التي مرّ بها الإنسان في تطوره ثم اصطلح على تسميتها بـ"الموجات الثلاث"، أوّل هذه الموجات هي اكتشافه للزراعة وهو ما أنتج حضارة مرتبطة بالأرض، وثانيها اكتشافه للصناعة وهو ما أنتج مجتمعا حداثيا بأفكار أكثر تحررا، وثالثها الثورة المعلوماتية التي أحدثتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وظهور ما يسمى بمجتمع المعرفة. هذا المجتمع الذي من أهم ركائزه حق الاتصال بين الأفراد والجماعات، وهو ما أقرّته القمة العالمية للمعلومات المنعقدة بتونس في نوفمبر 2005م.
فإلى أي حد كان للصدفة يد في قيام ثورة الياسمين في تونس بالذات؟ إن السياق التاريخي يرفض الصدفة في هذا المقام رفضا قاطعا، والواقع يصرح بأن انتشار بعض ملامح الموجة الثالثة في ثنايا المجتمع مع احتفاظ النظام بذهنية وتفكير عقل ما قبل الصناعي لن ينتج إلا لحظة تأزّم ستنفجر مع أية شرارة، وذلك ما حدث بالفعل؛ ثورة لمسايرة المرحلة وإحداث التوازن بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. ومفهوم الثورة الذي يعني فيما يعنيه إحداث القطيعة مع الوضع السابق واستبداله بوضع آخر، لن يحتمل إلا إنتاج براديغم جديد للحياة يكون بمثابة المؤشر على نجاحها والكفيل بحفظ حقها في الخلود على صفحات التاريخ، فالثورات العظيمة هي التي استطاعت إيجاد براديغمات جديدة قادرة على تقديم بدائل حقيقية وتحمل في أحشائها أسباب استمرارها، حتى وإن بدت أنها فاشلة سياسيا مثل ثورة الحسين رضي الله عنه التي مازالت تداعياتها تسهم في رسم المشهد الراهن.
أما الكلام عن ثورتي تونس ومصر وما سيليهما فهو كلام عن نوع جديد من الثورات غير كل ما سبق. ثورة شبيهة بالثورات الملوّنة من حيث تكاليفها القليلة، شبيهة أيضا بما اصطُلح عليه بثورات الخبز من حيث عفويتها، ولكن ما يميزها هذه المرة أكثر؛ أنها شعبية أصيلة، أشعل فتيلها شبّان على مستوى كبير من التعليم والوعي، سلاحهم في ذلك الهاتف النقال، والشبكات الاجتماعية، والكثير من الإيمان بقضيتهم. لا رائحة للموساد ولا لسي آي أي، ولا أثر لنظرية المؤامرة والأيادي الأجنبية، ولا تبني لليسار ولا لليمين...إنها ثورة على كل الثورات السابقة.
وهي الحقيقة التي أحدثت زلزالا مدمّرا على سلّم كل ما يُدرّس في علم السياسة من نظريات ومقاربات وتصورات، وبسرعتها في اقتلاع أكثر الرؤساء التصاقا بالكرسي وأكثرهم مرضا بداء العظمة، أدخلت ثورة الياسمين، وميدان التحرير الأنظمة الصديقة والشقيقة في غيبوبة من الدهشة ووضعت الأعراف الدبلوماسية محل ارتباك وتردّد، وأخلطت أوراق الغرب وجعلته يضرب أخماس في أسداس وهو يشاهد أتباعه يتساقطون دون أن يستطيع فعل شيء وهو الذي كان بعيدا عن أهم لحظات التغيير في الشرق الأوسط. أما في المقابل فقد أنعشت هذه الحقيقة أحلام الشعوب الأخرى في إسقاط باقي الأصنام، وإعادة المومياوات إلى توابيتها.
ما يدفع إلى الإعجاب بهذه الثورة الشعبية الحقيقية هو أن شبان الياسمين وميدان التحرير فهموا جيدا أن الثورة لا تحتمل التراجع في نصف الطريق، وأن لا معنى لها دون اجتثاث البراديغم القديم من جذوره وهو الذي جثم على الصدور زمنا طويلا حتى إذا لم يعد أحد يتصور أن بالإمكان أحسن مما كان. أما ما يدعو للقلق حقا هو إلى أي حد سيكون البراديغم الجديد قادرا تقديم بدائل حقيقية في ظل تراكمات ثقيلة ليس بالسهولة تجاوزها أو تجاهلها؟
إرسال تعليق